.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
وزير سابق
يكتسب بعض الأوطان حق الوجود على قدر ما يشكل مشروعه الوطني، ومنه هويّته، قيمةً مضافة وتلبية حاجة حضارية .
يتميز لبنان بهويّة واضحة حاملة رسالة حضارية هي وليدة تاريخ عريق وجغرافيا مميزة وضعته على خط التلاقي بين الشرق والغرب فكان وريث الحضارات الكنعانية والفينيقية والعربية وثقافة الديانتين المسيحية والإسلامية.
عززت ممارسات اللبنانيين، برغم هشاشتها في ظلّ الظروف المختلفة التي مرّ بها لبنان، الرسالة الفريدة التي تثير الاهتمام اليوم ألا وهي تفاعل الأضداد.
إنه تفاعل بين ثقافات وديانات ومذاهب وأنماط سوسيولوجية وجغرافية متنوّعة حتى أضحت التجربة اللبنانية نموذجاً فريداً في العالم يشارك فيه الإسلام والمسيحية في السلطة مناصفة .
ولكن بسبب ما آلت إليه أوضاعنا العامة من انهيار مالي أسهم بإفقار المواطنين واضمحلال الدولة ظهرت أخلاقيات قد تودي بهذه الهوية وبالدور السياسي الريادي المعهود للبنان وتجعل منّا متسوّلين عقلياً وفعلياً فنصبح مواطنين في وطن دون هويّة يكون مجرد مدينة ملاهٍ وساحة مضاربات أقتصادية ومالية. لا وألف لا؛ ليس هذا ما قضى في سبيله شهداء لبنان. لقد أتت هذه الأخلاقيات القاتلة بسبب التحايل والتكاذب بعضنا على بعض واستبدال الفكر بالشعار الزائف فينا يكون عادة الشعار وسيلةً لتمرير الفكر وتبسيطه لا ليحلّ مكانه.
لقد استبدلنا في حياتنا العامة الثقافة والرؤية السياسية بالشعارات وذلك بسبب الكسل الفكري والأزمات التي أعادت أولوياتنا إلى الحاجات المعيشية وخيبة الأمل من العرض السياسي المطروح. هذا عكس ما تتطلبه الأوضاع المأساوية التي نعيش والتي تفرض الخوض في أساسيات السياسة لاستخلاص العبر واستشراف رؤية مستقبلية انطلاقاً من مسلّمات تكوين الأوطان.
أول اهتمامنا يتعلق بالدولة وإعادة دورها وسلطتها. حسناً فعل الرئيس عون عندما أكّد في خطاب القسم أولوية إعادة الثقة بالدولة فأنعش الأمل ولاقى تأييداً عارماً وكذلك فعل الرئيس سلام ذاكراً عبارة الدولة عشرات المرات في البيان الوزاري إلى جانب الأولويات الأخرى التي فرضتها المرحلة.
فأهمّ ما ينتظره اللبنانيون وكذلك المجتمع الدولي والأصدقاء يفترض بالضرورة إعادة الثقة وهي ثقة بإمكانية الإصلاح، ثقة بمعالجة الوضع الأمني وتنفيذ تفاهمات تطبيق القرار ١٧٠١، ثقة بحل الأزمة المالية والاقتصادية... إلى ما هنالك من مطالب ملحّة، وكل هذا يتطلب أولاً وبدون أي شك إعادة بعث الدولة ومصداقيتها. يتوافق كل أهل السياسة على المغالاة في هذا الموضوع، لكن أين نحن من هذه الأولوية؟
ننادي جميعاً بالدولة ونحن لا نؤمن بالدولة ولا بأهلها ولا بموظفيها.
نحن نتجنب خدمات الدولة التعليمية والاستشفائية وحتى الأساسية منها كالماء والكهرباء والاتصالات فتتصاعد الدعوات المستمرة إلى خصخصة كل المرافق حتى الحيوية منها لعدم ثقتنا بقدرة الدولة على القيام بمهامها بجدارة وكفاءة وأخلاقية. فعوض أن نطالب بتأهيل أُجراء الدولة والعمل على حسن الحوكمة على رأسها إذا بنا وبدون خجل نوافق بل نطلب من المجتمع الدولي أو مؤسساته عدم التعامل مع الدولة بل العمل مباشرة لتنفيذ مهماته وكأنه مطلب أخلاقي بامتيازغير آبهين بالإهانة والذل الذي بات يلخّص نظرة الخارج، وأقرب المحبّين، إلينا.
الحوكمة الفاسدة موجودة ومتفشية منذ زمن، ويعزز تفشيها معتقدنا أن مال الدولة حلال والتهرّب من الضريبة فضيلة واللجوء إلى الواسطة شطارة والرشوة وسيلة إنتاجية. بفقداننا
الأخلاق نكرم المرتكب ونتناسى إلا في الثرثرات والصالونات مصدر الثروات والأموال الحرام.
من منّا يريد فعلاً الدولة ومحاسباتها وضرائبها؟ كذلك نظرتنا إلى باقي مقوّمات الوطن فنغالي جميعاً بروحنا السيادية والمحقة في التأكيد على حصرية امتلاك السلاح بيد الدولة بينما نراعي التدخلات والإملاءات الخارجية ونعجز عن ردع الاحتلال والاعتداءات على أرضنا .
وطالت شعاراتنا حتى مفهوم الحياد، فأيَّ حياد نتوخى ونحن ضالعون في المحاورالدولية والإقليمية؟
هذا التراخي الذي يطال مجالات عدة قد يطيح بمشروعنا الوطني ورسالته.
إن المحافظة على الأوطان والاستقلال والحرية تتطلب تضحيات ولها أثمان يجب أن ندفعها إذا ما أردنا التخلص من التبعية ومنطق التسوّل. لنا أصدقاء وأشقاء كثر مخلصون معنيّون باستمرارية ومستقبل بلدنا لكن علينا نحن هندسة خلاصنا.
طريق الخلاص يمر بثلاث: أولاً باستعادة دور الدولة والثقة بها وبمؤسساتها، ومن ثم بالتضحيات الداخلية وتحمّل مسؤولياتنا في إعادة الاعتبار للحوكمة وتعزيز الوحدة الوطنية، وأخيراً بالاتكال على إمكانياتنا الذاتية بثقة وبمساعدة لبنانيي الانتشار.