.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
هذه لحظة مصيرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية سواءٌ كابرت وغامرت عسكرياً على قاعدة "عليّ وعلى أعدائي"، أو سواء استنتج رجال النظام في طهران أن لا مناص الآن من تعديلٍ جذري في عقيدة الثورة الإيرانية، النووية منها والتوسعية إقليمياً، وتلك التي توظّف الوكلاء وتستخدم الأذرع والميليشيات لبسط الهيمنة الإيرانية وقضم سيادة الدول في المنطقة. لا الصبر الاستراتيجي ما زال خياراً أمام طهران، ولا حرب الإلغاء بين إيران وإسرائيل ضمن حسابات الطرفين. إنها حرب من نوعٍ آخر بين عقيدتين متطرفتين، إيرانية وإسرائيلية.
هذه الجولة من المواجهة ليست تجميلية كالسابق لأن التهادنية التقليدية بينهما سقطت لأول مرة ووقعت حرب جديّة تبنّت عنوان "الوجودية" لكلّ من إيران وإسرائيل. تمادت إسرائيل في بنك استهدافاتها للقيادات العسكرية والسياسية الإيرانية كما للعلماء بالذات في المجال النووي. خرقت استخبارياً داخل إيران بقدر ما خرقت داخل صفوف "حزب الله" في لبنان. استدعى حكام إسرائيل حكام طهران إلى الانتقام النوعي كي يستهدفوا المدن ويمطروها بالصواريخ والمسيّرات لأن تدمير مدن إسرائيلية يحشد الدعم القاطع لإسرائيل من أميركا والغرب عامة، مهما اعتبرته إيران إنجازاً ونصراً لها ولعقيدتها. فما هي آفاق هذه الحرب؟ وهل ستكون مفصلية لإيران وإسرائيل معاً؟
لنأخذ سيناريو أقرب إلى الخيال ونتصوّر أن هذه حرب سريعة حسّنت أوراق التفاوض الأميركي – الإيراني – الإسرائيلي ليس حصراً في الشأن النووي بل رفعت السقف العسكري من أجل التوصّل إلى حل سياسي دائم وتعايش بين إيران وإسرائيل. لنتصوّر أن "صفقة القرن" التي جعل منها الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدفه الاستراتيجي الأهم منذ رئاسته الأولى باتت جاهزة للتنفيذ بشراكة إيرانية – عربية – إسرائيلية وبرعاية أميركية وذلك بعدما فرضت المواجهة العسكرية الإسرائيلية - الإيرانية الأخيرة معايير جديدة في معادلة الحرب والسلم وفي معطيات استمرارية الأنظمة.
المنطق الوجودي للجمهورية الإسلامية الإيرانية يتنافى كليّاً مع مثل هذا الافتراض لأن العقيدة تزعم أن تدمير إسرائيل هدف رئيسي، وتحوّل إيران إلى دولة نووية هدف وجودي، واستخدام الوكلاء والميليشيات لا غنى عنه لتحقيق حلم الثورة لعام 1979 والهيمنة الإقليمية. لكن واقعياً، لقد مكّنت الولايات المتحدة الأميركية إسرائيل من قطع وبتر أذرع إيران في لبنان وسوريا خاصة، كما في اليمن وإلى حد أقل في العراق. أعطتها الغطاء والمعلومات الاستخبارية لعمليات غير مسبوقة داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عهد الرئيس جو بايدن كما في عهد الرئيس ترامب.
تطويق الجمهورية الإسلامية، عقيدةً وقياداتٍ عسكرية وعلماء نوويين، ليس تطوراً عابراً؛ إنه جزء من دفع رجال الحكم في طهران، من مرشد الجمهورية إلى الحرس الثوري إلى أركان النظام، نحو إعادة النظر والتفكير مليّاً في السبل المتاحة للبقاء في السلطة، وإلا فانهيار النظام. وجد رجال طهران أنفسهم أمام معضلة، إما الخضوع لمتطلبات تعديل عقيدة النظام النووية والتوسعية، أو تعريض النظام للانهيار.
الحرب التي انطلقت يوم الجمعة الماضي لم تكن مفاجئة لأن إسرائيل منذ فترة تنبّه إلى أنها متأهبة بجهوزية عالية لتوجيه ضربات عسكرية ضخمة ضد إيران، من جهة. ومن جهة أخرى، أبلغت إيران أصدقاءها أنها هي أيضاً متأهبة وفي جهوزية عالية لعمليات انتقامية تأخذ بنموذج إمطار أوكرانيا لروسيا بمئات المسيّرات والصواريخ في ضربات مؤلمة جداً لروسيا.
إيران اعتقدت أن إنذارها وتهديدها هذا سيأخذ دونالد ترامب رهينة لديها لأن ضرب إيران للمدن الإسرائيلية مكلف له كرئيس أميركي لا يريد التورط في حروب. فشل رهان طهران لأن إسرائيل اتخذت قرارها بدون استئذان إدارة ترامب التي كانت تفضّل الانتظار أطول فيما المفاوضات مستمرة بينها وبين إيران.
رهان طهران الخاسر الآخر هو على ضعف دونالد ترامب وخوفه من التورط في الحروب. اعتقدت أن الرئيس الأميركي سيقع في فخ المماطلة في مفاوضات مفتوحة الأفق، وأن الحنكة التفاوضية الإيرانية ستمكّن من إبعاد أي حديث عن الصواريخ الباليستية أو عن الوكلاء، وبالتالي يتحول دونالد ترامب إلى باراك أوباما ويركّز قطعاً على المفاوضات النووية.
صفعة الدول الأوروبية للاستراتيجية الإيرانية ومناورات رجال طهران أتت بإدانة لاذعة لقيام طهران بالتحايل على البرنامج النووي وبإخفاء النشاطات المحظورة والتهرب من المراقبة الجديّة التي تريدها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ثم إن إيران أساءت تفسير موافقة مبعوث دونالد ترامب الى المفاوضات، ستيف ويتكوف، على حصر المفاوضات في المسألة النووية، فاعتبرت ذلك ضوءاً أخضر لإحياء الوكلاء والاستمرار في تمكينهم عسكرياً وسياسياً. لم تضغط على الحوثي في اليمن. أوحت إلى "حزب الله" أنها تستعيد قواها كاملة عبر المفاوضات مع الولايات المتحدة، فدفعت به إلى المكابرة وتعطيل مساعي الدولة لبسط سلطتها والاستفراد بالسلاح. خطأ إيران هذا لم يورّط لبنان وحسب، وإنما هو يورّط "حزب الله" الذي سيضحي ببيئته وبلبنان بعنوان لبّيك يا آية الله علي خامنئي في إيران.
ماذا سيقرر خامنئي للبنان والعراق وهو جالس في إيران يراجع خياراته أمام إسرائيل وكذلك أمام أوروبا وأميركا؟ الحرب لها قواعدها ومفاجآتها. هذه حرب خطيرة وقد تكون طويلة. المفاوضات النووية لن تُستأنف، أقله كمفاوضات نووية. قد تُعقد جولة مفاوضات أميركية - إيرانية لكن هدفها سيكون مختلفاً تماماً وستكون عناوينها إما الإنذار بأعظم إذا كابرت إيران بعلم أحمر، أو العمل على إنهاء الحرب مع إسرائيل إذا ما رفعت طهران العلم الأبيض وتراجعت وتنازلت.