"شبكة العنكبوت".... "الأضعف" يزلزل كبرياء "الأقوى"!

كتاب النهار 11-06-2025 | 04:29
"شبكة العنكبوت".... "الأضعف" يزلزل كبرياء "الأقوى"!
ما جرى بين روسيا وأوكرانيا، ومن قبل بين أذربيجان وأرمينيا أو في الحرب الأهلية الإثيوبية، أثبت أن "الدرونز" تغير طبيعة الحروب، وسوف تصبح السلاح السائد مستقبلاً.
"شبكة العنكبوت".... "الأضعف" يزلزل كبرياء "الأقوى"!
تعيد "الدرونز" كتابة منهج الحروب الحديثة. (أ ف ب)
Smaller Bigger

على مر العصور، تميزت الحروب الكبرى بإرساء تقنيات جديدة؛ كانت "العجلة الحربية" كلمة السر في قدرة المصريين القدماء على تحرير وطنهم من الهكسوس؛ بالمثل كانت المدافع العملاقة أهم أدوات السلطان العثماني محمد الفاتح في اختراق جدران القسطنطينية. واستطاع نابليون اجتياح أوروبا باستخدام تكتيكات مبتكرة للمشاة. وفي الحرب العالمية الأولى غيّر غاز الخردل والمدافع الرشاشة وجه المعركة. وفي العالمية الثانية، صنعت الحرب الخاطفة وحاملات الطائرات والأسلحة النووية الفارق. اليوم، تلعب الطائرات بدون طيار (المسيّرات أو الدرونز) أدواراً محورية في الحروب، مثلما حدث في أفغانستان والعراق وأذربيجان، والآن يحدث في غزة وأوكرانيا.

الأسبوع الماضي، شنّت كييف هجوماً أطلقت عليه اسم "شبكة العنكبوت"، حيث استهدفت عشرات المسيرات، بسيطة التكنولوجيا، زهيدة الثمن، قواعد جوية في أقصى العمق الروسي، على بُعد آلاف الكيلومترات من خطوط المواجهة، فدمّرت ثلث القاذفات الاستراتيجية الروسية القادرة على حمل رؤوس نووية، في عملية محكمة التخطيط والتنفيذ، أثارت إعجاب الخبراء.

لم تكن هذه اللحظة انتصاراً تكتيكياً فحسب، بل ضربة نفسيّة زعزعت كبرياء موسكو، وأظهرت للعالم أن المستضعف يمكنه أن يتفوّق على قوة عظمى، عن طريق سلاح متوافر وسهل التصنيع.

تعدّ المسيرات أهمّ وأخطر وأبسط سلاح في جعبة الأوكرانيين. كشفت كييف إحصائية أذهلت المحلّلين العسكريين: خلال 2024 كانت المسيّرات مسؤولة عن 80% من الإصابات في الجانب الروسي. حوّلت الدرونز ساحة المعركة إلى رقعة شطرنج شفّافة وقاتلة، على عكس المدفعية التقليدية التي تغطّي منطقة بالقذائف أو الطائرات التي تتطلّب سماء صافية. توفّر المسيرات دقّة واستمرارية، ويمكنها التحليق لمدة طويلة ومسح الأهداف، ثمّ الضرب بدقّة جراحية. قدرات تجعل من التحركات الروتينية للقوات في ساحات المعارك أمراً محفوفاً بالمخاطر. باتت هذه القوات تلجأ إلى الاختباء تحت الأشجار، أو الملاجئ، أو خلف الشباك، خوفاً من عيون السماء (المسيّرات).

أثارت عملية "شبكة العنكبوت" ردود فعل واسعة، على الصعيد العالمي. أطلق بعض كبار جنرالات الناتو دعوة إلى الاستيقاظ أمام الواقع الجديد، ودراسة تكتيكات كييف، مؤكّدين أن نتيجة النزاعات المستقبلية ستعتمد على إتقان "حرب المسيّرات"، وأوضحوا بأن "شبكة العنكبوت" كشفت عن نقاط ضعف الجيوش التقليدية. أسلحة باهظة الثمن، مثل دبابة أبرامز الأميركية أو قاذفة استراتيجية روسية، يمكن تدميرها بمسيرة رخيصة، مما يثير تساؤلات حول جدوى هذه الأسلحة الثقيلة ومستقبل استخدامها.

هكذا أجبرت "الدرونز" الجيوش على الانتباه إليها. لم تبرز فجأة، لكنها باتت كابوساً أو حقيقة قاتلة، رخيصة ومتوافرة، تحلّق على ارتفاعات مختلفة، بمدى ومدّة طويلين، تلاحق القوات التقليدية، تراوغ الدفاع الجوي، ترصد الأهداف وتجعل منطقة العمليات بأكملها ساحة للمعركة، وتحوّلها إلى جحيم في ثوان، فلا مكان للاختباء. تتنوّع الطائرات المسيّرة في مهامها وقدراتها القتالية، ويبلغ سعر بعضها مئات الدولارات فقط، بينما تحتاج إلى صاروخ قد يُكلّف 5 ملايين دولار لإسقاطها. لهذا صارت رقماً صعباً في المعارك الحديثة، فلا حصانة كاملة أمام هذا المزيج المعقّد من الدرونز، خاصة تلك التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، إذ يمكنها مراوغة الرصد، وحين تهاجم في شكل أسراب فإنّها تشكّل تحدّياً رهيباً. تستطيع المسيّرة أن ترصدك، تتعقبك، أو تفجّرك. ما جرى بين روسيا وأوكرانيا، ومن قبل بين أذربيجان وأرمينيا، أو في الحرب الأهلية الإثيوبية، أثبت أن "الدرونز" تغيّر طبيعة الحروب، وسوف تصبح السلاح السائد مستقبلاً. يتصوّر الخبراء ساحة معركة مملوءة بالتكنولوجيا، لكنها خالية من البشر. يجري توجيه المركبات والدبابات ذاتية القيادة من قبل مُشغّلين بعيدين عن الميدان، كما يجري توجيه المسيّرات بالذكاء الاصطناعي و"شات جي بي تي"، وسوف يقترن تعريف النصر بعدد المعدّات المتبقّية لدى هذا الطرف أو ذاك، في نهاية المعركة.

تعيد "الدرونز" كتابة منهج الحروب الحديثة. هي سلاح ثوري، لكنها وفقاً لقانون نيوتن فإن لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار، مما يعني أنه في الوقت الذي ترتقي فيه صناعة الطائرات بدون طيار، تتسابق الجيوش لامتلاك وسائل وتكنولوجيا تحييد الدرونز. "المسيرات" ليست مُحصّنة على الدوام، ويمكن إسقاطها، وتحتاج إلى التوجيه البشري ووصلات بيانات لنقل المعلومات، وبالتالي يمكن التشويش عليها أو إعاقتها أو إسقاطها، ومن المبكر القول إنها ستحلّ مكان بقية الأسلحة التقليدية، كالطائرات والدبابات والمدافع، فالجيوش لا يمكنها الاعتماد على الدرونز وحدها للانتصار في الحروب.

اللافت أنه في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تشكل "المسيرات" خطراً على وجود الجنس البشري. كشف مسؤول أميركي في حزيران/يونيو 2023 عن أن "مسيّرة" تعمل بالذكاء الاصطناعي "تمرّدت" وقتلت مشغّلها البشري.

لعلّ أهمّ وجوه "الدرونز" أن العلم هو السلاح الأساسي الذي تنبثق منه كلّ الأسلحة، في جميع المجالات، إذ لا بقاء ولا تقدّم ولا حياة كريمة لشعب ما دون نظام تعليميّ متطوّر، يطلق طاقات البشر ويعزّز قدرات الدولة بوجه الأخطار!