.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
بينما كان التونسي هشام الميراوي، متوجهاً الى محل الحلاقة الذي يملكه في قرية نائية جنوب فرنسا، أردته خمس طلقات نارية أطلقها جاره الفرنسي. هذه الجريمة، التي صنفتها الأجهزة الأمنية المحلية في خانة العنصرية، هي جزء من مناخ سياسي واجتماعي تعيشه البلاد منذ شهورٍ، طابعه الأساسي هجمة إعلامية وسياسية ضد الأجانب والمهاجرين، ولاسيما منهم العربّ.
ورغم أن تصاعد الأعمال والخطابات العنصرية سابق لتولي برونو ريتايو، زعيم الجمهورين، وزارة الداخلية، إلا أن هذه الخطابات أصبحت في الأسابيع الأخيرة تأخذ طابعاً عنيفاً، متجاوزةً مرحلة الخطاب إلى الفعل، من خلال حوادث قتلٍ على الهوية وهجمات ضد أماكن وأفرادٍ. حيث يقود ريتايو حملةً خطابية وإدارية ضد المهاجرين، مستهدفاً العرب في المقام الأول، سعياً منه وراء القاعدة الانتخابية لليمين المتطرف، لأنه يستعد للترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2027، والتي يبدو أنها ستدور حول ديناميكية شعبوية تستجدي الجمهور من خلال تضخيم المخاطر والأعداء.
ولا يمكن فهم هذه الديناميكية بمعزل عن المناخ السياسي الوطني، الذي يتسم بتحول تدريجي نحو اليمين في النقاش العام، وتهميش نظريات كانت هامشية سابقاً. يُضاف إلى ذلك بُعدٌ إسلاميٌّ مُتنام، يُغذّي مخيالاً جماعياً يُصبح فيه العربي هو الآخر بامتياز، كبش الفداء الأمثل لمجتمعٍ مأزوم. فصورة العربي اليوم أصبحت رمزاً لخطر مزدوج: خطر الإسلام الذي يُنظر إليه على أنه لا يتوافق مع الجمهورية، وخطر "المهاجر" المسؤول عن التفكك الاجتماعي.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن تطور المشهد السياسي الفرنسي. فمنذ مطلع الألفية، وبخاصةً منذ الهجمات الإرهابية عام 2015 عندما تحول النقاش العام نحو اليمين واليمين المتطرف، حول قضايا الهوية والأمن والهجرة. وقد ترسّخت خطابات "استعادة السيادة" و"الهوية الوطنية" و"الثقافة المهددة" كخطابٍ له شرعية، تبنّته شريحة من الطبقة السياسية، بما في ذلك جزء من اليسار.
فقد نجح اليمين المتطرف مدى عقود، في فرض مواضيعه في صميم الأجندة السياسية، مثل انعدام الأمن، والهجرة، والإسلام. وقد ساهم منطق "لا يمين ولا يسار" الذي تبناه ماكرون في هذا التشويش الأيديولوجي، مما سمح بانتشار نظريات قائمة على الهوية في فضاءات كانت معتدلة سابقاً. وفي الوقت نفسه تلعب وسائل الإعلام دوراً محورياً في هذا الصعود. فكثرة البرامج التلفزيونية التي تعرض معلقين ذوي آراء عنصرية أو معادية للإسلام بشكل علني، مثل إريك زمور، تُساهم في ترسيخ هذه الأفكار في المشهد العام.
لكن وراء الفعل وضحاياه، يكشف تحول العنصرية من فكرة نخبوية إلى موجة عن أعراض مرض أعمق، لمجتمع يفقد صوابه، ويعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية وثقافية. وفي مواجهة هذه الشكوك، يشتد إغراء الانكفاء على الهوية. ويعود خيال "فرنسا العظيمة"، المتجانسة، بقوة، مدفوعاً بخطابات سياسية تضع "نحن" في مواجهة "هم". وهنا يتحول الفرنسي غير الأصلي أو المهاجر إلى كبش فداء لحالة من الضيق الجماعي. فمجرد وجودهم يُذكرنا بتعقيد التاريخ الاستعماري، وإخفاقات التكامل، بل يُذكرنا أيضاً بالتنوع الحقيقي للبلاد، الذي لا يزال البعض يرفض قبوله. وتُترجم أزمة الهوية هذه إلى رغبة في السيطرة على أي تعبير ثقافي أو ديني لا يتوافق مع الرؤية الضيقة للجمهورية، أو استبعاده، أو حتى محوه.
والرهان هنا أبعد من العنصرية ضد العرب أو غيرهم من الأقليات، فهو يتعلق أساساً بمستقبل الجمهورية، كدولة حقوقية. فعندما تُوصم شريحة كبيرة من السكان أو تُستبعد أو يمارس ضدها التمييز، ينهار الميثاق الجمهوري بأكمله. لأن الخطر الحقيقي على فرنسا لا يكمن في تنوع سكانها، بل في عجز نخبها المتزايد عن تحويله إلى مصدر قوة.