حتى يأخذ الله أمانته

كتاب النهار 07-06-2025 | 06:25
حتى يأخذ الله أمانته
في كل عام، يُتجاهل موضوع القتل الرحيم، فلا يُفكر فيه، ولا يُناقش، ولا يكاد يُعترف به، ولا تُفتح أذهان الناس المتصلبة حياله، ولا حتى تُعرض الآراء الفقهية المحيطة به، والمتباينة بين الإباحة والمنع...
حتى يأخذ الله أمانته
كأنما يجب ألا يغادر الحيوان هذه الحياة بطريقة إنسانية
Smaller Bigger

جلست بمحاذاتي في غرفة الانتظار في العيادة البيطرية. كلانا تضع أمام قدميها قفصاً يضج بالمواء. ولأن الإتيكيت غير المكتوب للعيادات البيطرية يقتضي بأن نلاطف حيوانات بعضنا بعضاً ونسأل عن صحتها، فقد انتهى بي المطاف لأن أخبرها بأني أحضرت قطاً تكالب عليه المرض المزمن والإعاقة والشيخوخة، فارتأيت تخليصه من التردي الدراماتيكي في جودة حياته بالقتل الرحيم.

وبدا أنها لم تسمع من تلك العبارة سوى أني الشيطان الرجيم!

خلال عقدين من تربية الحيوانات الأليفة، أستطيع القول أني استقبلت -وحفظت- جميع الردود الممكنة على موقفي المؤيد للقتل الرحيم، والتي عادة ما تكون مصحوبة بارتفاع في نبرة الصوت، واكفهراراً في الوجه، وانزعاجاً عاماً. الغالبية من الناس تخبرني أن فعلي محرم شرعاً، والبعض يهزّ رأسه ويحوقل باستياء، والبعض يسألني كيف خوّلت نفسي اتخاذ قرار كهذا، وهل أعتقد أني إله، والبعض -للغرابة- يتهمني بالقسوة.

وهذه المرأة لم تشذ عن القاعدة، خصوصاً في تحريمها القتل الرحيم، واعتباره تعدياً على أقدار رب الكون. ثم راحت "تتفاخر" كذلك بأنها كانت تربي قطة مصابة بالفشل الكلوي الحاد. "والطبيب"، أشارت نحو الباب الموصد، "نصحني بإعطائها الإبرة إياها، ولكني رفضت. ألح وألح وألح، ورفضت حتى أخذ الله أمانته".

لم تدرك هذه المرأة -التي لا يساورني الشك حيال حبها لحيواناتها الأليفة- أنها كانت "تتفاخر" بتركها قطتها تعاني عذابات لا تستطيع التعبير عنها، ولا تطيقها، ولا تفهمها، ولا تمتلك العقل لمنطقتها، ولا يمكنها حتى احتساب الأجر عند الله جرّاء الصبر عليها. لقد كانت "تتفاخر" -دون أن تدري- بأنها في الواقع اختارت للقطة المسكينة المصير الأكثر سادية وشراً.

وأنا لن أعاتبها -سامحها الله- بل سأعاتب من نفّروا ضميرها من الخيار الأسهل والأكثر رحمة.

يعود علينا عيد الأضحى المبارك، أي "الكلاسيكو" السنوي المرتقب بين رجال الدين المسلمين وبين المتعصبين لحقوق الحيوان. ستعود -مثل كل عام- خطاباتنا التي ننفي فيها تهم الوحشية والدموية عن أنفسنا، ونؤكد من خلالها كم نحن مشفقون على البهائم في أدق تفاصيل الشعيرة التي نؤديها، وستعود بالتوازي التوصيات والمواعظ للناس بالإحسان للخراف والأبقار المربوطة في أفنية بيوتهم.

ولا أدري كيف تمضي هذه المناسبة السنوية دون أن تُثار -على الأقل- مسألة القتل الرحيم للحيوانات حينما لا يُرجى شفاؤها أو تحسّن إعاقتها، وكأنما يجب ألا يغادر الحيوان هذه الحياة بطريقة إنسانية إلا إذا كانت بحد السكين التي ستسلخه لاحقاً لتقطيع لحمه، وفقط لأننا تلقينا أوامر صريحة من النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بالتلطف بالذبيحة.

في كل عام، يُتجاهل موضوع القتل الرحيم، فلا يُفكر فيه، ولا يُناقش، ولا يكاد يُعترف به، ولا تُفتح أذهان الناس المتصلبة حياله، ولا حتى تُعرض الآراء الفقهية المحيطة به، والمتباينة بين الإباحة والمنع، فلا يرسخ سوى الاعتقاد الطاغي بتحريمه وإدانته.