.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
بانضمام المملكة المتحدة إلى قائمة الدول الداعمة رسمياً لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، تكون لندن قد قطعت مع سنوات من الغموض الديبلوماسي، واختارت موقعاً واضحاً إلى جانب الواقعية السياسية والحلول المستدامة.
هذا الموقف لا يمثل مجرد إعلان ديبلوماسي، بل يعتبر مؤشراً إلى تغيّر أعمق في فهم طبيعة النزاع، وتَبلور قناعة دولية متنامية بأن مقترح المغرب، المقدّم منذ عام 2007، هو السبيل الوحيد لحل هذا النزاع الإقليمي طويل الأمد.
الدعم البريطاني، الذي يأتي بعد مواقف مماثلة من قوى كبرى كأميركا وفرنسا وإسبانيا وألمانيا، يعكس اصطفافاً دولياً حول رؤية تستجيب لمحددات الأمن والاستقرار في منطقة شديدة الحساسية جيوسياسياً. ففي ظل التحولات العالمية، من الحرب في أوكرانيا إلى تصاعد التنافس بين القوى الكبرى في أفريقيا، لم يعد ممكناً ترك النزاعات المجمّدة من دون تسوية. ومنطقة الصحراء، الواقعة جنوب المتوسط، وعلى تخوم الممرات التجارية الأطلسية، أضحت فضاءً حيوياً يربط بين استقرار شمالي أفريقيا وأمن أوروبا والغرب.
صحيفة "تليغراف" البريطانية سلطت الضوء على أهمية هذا التحول من خلال مقال تحليلي للفريق أول السير سيمون مايال، المستشار العسكري السابق في وزارة الدفاع البريطانية، الذي اعتبر أن موقف لندن الجديد يعيد قضية الصحراء المغربية إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد سنوات من التهميش. وأشاد مايال بمبادرة الحكم الذاتي بوصفها "الحل الوحيد الواقعي والمستدام"، منسجماً بذلك مع توجه جديد في الديبلوماسية البريطانية يعتمد على "الواقعية التقدمية".
الخطة المغربية، كما عرضها المقال، تمنح سكان الأقاليم الصحراوية حكماً ذاتياً موسعاً تحت السيادة المغربية، مع احتفاظ الرباط بالصلاحيات السيادية في مجالات الدفاع والخارجية، مقابل تفويض واسع للسلطات المحلية لتدبير الشؤون الاقتصادية والثقافية. ويؤكد الكاتب أن هذا النموذج يحقق التوازن بين السيادة والتنمية، ويُخرج المنطقة من حالة الجمود التي عطلت فرص الاستثمار وخلقت أزمات إنسانية، خصوصاً في مخيمات تندوف.
ولا يقلّ البعد الاقتصادي أهمية عن السياسي، فالتقارب المغربي - البريطاني تُرجم في السنوات الأخيرة إلى تعاون مثمر: أكثر من 4.2 مليارات جنيه استرليني في المبادلات التجارية عام 2024، واستثمارات واعدة في مجالات حيوية كالطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، والصحة، بدعم من تسهيلات تمويلية بريطانية تبلغ 5 مليارات جنيه. هذا العمق الاقتصادي يُترجم قناعة بأن الاستقرار السياسي شرط أساس للتنمية، وأن مبادرة الحكم الذاتي تمثل مدخلاً واقعياً لتفجير طاقات الإقليم.
على الجانب الآخر، يواصل النظام الجزائري رهانه على خيار الانفصال وفق سردية بالية تعود لزمن الحرب الباردة مع عجز مزمن عن إدراك التحولات التي يعرفها العالم والمنطقة، غير آبه بتآكل شرعية جبهة البوليساريو، ولا بمخاطر إدخال إيران إلى المنطقة عبر تسليح الجبهة بطائرات مسيّرة. في المقابل، يتموقع المغرب بثقة متزايدة، وقد جعل من وحدته الترابية معياراً واضحاً لعلاقاته الدولية، وهو ما أسهم في تحول مواقف قوى أوروبية كبرى، من برلين إلى مدريد، مروراً بباريس وصولاً إلى لندن، من دون نسيان الموقف الأبرز المتمثل بالاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
اليوم، تدعم 116 دولة مبادرة الحكم الذاتي المغربية، من بينها ثلاث دول دائمة العضوية في مجلس الأمن. لم تعد هذه المبادرة مجرد وثيقة تفاوضية، بل هي مشروع متكامل للسلام، يحقق تطلعات الساكنة، ويعزز الاستقرار الإقليمي، ويحدّ من الهجرة غير النظامية والتطرف، ويحقق شروط الاندماج بين دول المنطقة، وذلك بتحول الصحراء من بؤرة نزاع مفتعل، إلى ممر أساسي للتنمية المشتركة والاستقرار بخاصة عبر ربط دول الساحل والصحراء بالمحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة الكبير.
حين تدعم بريطانيا، بقوتها النووية ووزنها الديبلوماسي، الحلّ المغربي، فإنها تعكس نضجاً دولياً في التعامل مع نزاع طال أمده. إنها لحظة تحوّل، لا تُقاس فقط بعدد البيانات، بل بميزان الجدية والمسؤولية، في عالم أصبح لا يرحم الأوهام ولا يجامل السرديات المتجاوزة.