.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في أيلول/سبتمبر 2007 أعلنت إسرائيل قطاع غزة "كياناً معادياً". كانت تلك إشارة إطلاق برنامج "حصار غزة" والشروع في تجويعها. بدا التوقيت مناسباً ومبرراً ويكاد يكون "مقبولاً" في القراءة الغربية الرسمية للصراع في الشرق الأوسط، ومحمولاً على قرار أرئيل شارون انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة، من طرف واحد، وإخلاء المستوطنات، وانقلاب "حماس" الدموي على منظمة التحرير وسيطرتها على الشريط الساحلي الضيق وما يقارب مليوني فلسطيني يعيشون هناك، غالبيتهم من لاجئي 1948 الذين وصلوا غزة بعد سقوط مدن الساحل يافا وأسدود وعسقلان وأريافها، حيث تشكلت واحدة من أكثر بقاع العالم كثافة سكانية ومن أقلها وفرة في مصادر الغذاء والثروات الطبيعية، مع معدلات فقر وبطالة قياسية.
منح "انقلاب حماس" وخطابها السلفي وسيطرتها المطلقة على القطاع وفصله عن الضفة الغربية، إلى جانب ضعف السلطة في رام الله وغرقها في أزماتها، الأرضية المثالية التي يحتاجها اليمين في إسرائيل لشيطنة "غزة"، وعزلها عن الضفة الغربية ودفن فكرة "الممر الآمن" مع الضفة التي تضمنتها اتفاقيات أوسلو.
لعل أول من أثار قضية "تجويع غزة" كان مؤسسة حقوق إنسان إسرائيلية، تأسست عام 2005 تحت اسم "جيشاة-مسلك"، هدفها المعلن هو الدفاع عن حقوق الفلسطينيين في التنقل، وخصوصاً سكان قطاع غزة، في إطار القانون الإسرائيلي والدولي، كما جاء في تعريف المؤسسة عن نفسها.
خاضت "جيشاة-مسلك" مواجهة قضائية طويلة مع الحكومة الإسرائيلية حول ضرورة نشر "وثيقة الجوع" التي أعدتها الحكومة في عام 2008 للتحكم بما يصل للقطاع من غذاء، والحد الأدنى الذي يحتاجه الغزي من "سعرات حرارية" للبقاء على قيد الحياة، وهي الوثيقة التي أثارها تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية عام 2012.
لم يتوقف العمل على تجويع غزة حتى بعد نشر الوثيقة، وواصلت عملها تحت مسميات كثيرة. كانت المجاعة تحفر طريقها تحت الأغطية، وكانت قوائم المسموح به من الغذاء والممنوع تفتش الشاحنات على المعابر وتتدخل في وجبات الطعام على موائد الغزيين، وتراكم نقاطها بهدوء بموازاة كل شيء، وتتغذى على الحملات الدموية التي شنتها إسرائيل بمعدلات منتظمة، 2008/2009، 2012، 2014، 2021 وصولاً إلى ما بعد السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2024.
كانت "الوثيقة" تقوم بعملها، وكان ذلك ملائماً تماماً للجميع، الجوع البطيء الصامت الذي يأكل من صحة جيل كامل من الغزيين، وتدمير أي إمكانية لنشوء اقتصاد قادر على إطعام الناس، وتحويل غزة إلى حزام فقر لتوفير العمالة الرخيصة المسيطر عليها من جهة، وسوق مفتوحة لاستهلاك المنتج الإسرائيلي من جهة أخرى، بينما تواصل الصناديق السيادية وصناديق الاستثمار من الجامعات والشركات وصناديق التقاعد الغربية وشركات الأسلحة والتكنولوجيا ضخ أموالها في الاقتصاد الإسرائيلي، الذي يمتلك عمالة رخيصة أقرب للاستعباد ومنتجاً بمواصفات تلائم شروط المنافسة والتصدير.
كان هذا مثالياً تماماً لأحلام الإمبراطورية وأقل تكلفة وأكثر فائدة من بناء منطقة عازلة بكثافة سكانية تتجاوز المليونين، يمكن إحاطتهم بسياج إلكتروني وفرقة عسكرية بقوة ساحقة.
في الثامن من أكتوبر 2024 عندما ظهر يؤاف غالنت وزير الدفاع الإسرائيلي السابق وأعلن أن لا شيء سيصل غزة، لا ماء ولا غذاء ولا دواء ولا كهرباء ولا طاقة... كان يتحدث من داخل "الوثيقة"، وكانت حملة التجويع الصامتة قد بلغت عامها السابع عشر.
"إعلان غالنت" كان نوعاً من تحرير "الوثيقة" من سرّيتها ودفعها، وهي تدخل عامها الثامن عشر، بكامل وحشيتها نحو غزة. ولكنها محمولة الآن على عربة ضخمة تحت غيمة من التضليل والصور المزيفة لأطفال محروقين وروايات اغتصاب اليهوديات وقطع رؤوس الأطفال، والصراخ المتواصل من المستعمرات ومكتب رئيس الوزراء ووزارة الجيش وأروقة الكونغرس: "إنها حرب وجودية".
سيصطف زعماء أوروبا في رتل طويل لتناوب البكاء على كتف "نتنياهو" في مشهد درامي، يبدو الآن ومن هنا كوميديا سوداء. حفل الاحتضان الذي قاده بايدن كان يتواصل في الوقت نفسه الذي كانت الآلة العسكرية الإسرائيلية الهائلة، الممولة من الغرب، تسحق غزة، والمجاعة، بمواصفات غالنت، تزحف على مليوني فلسطيني حشرتهم "النكبة" في حزام ضيق من الفقر والجوع على مدار سبعة عقود.
منحت حملة التضليل تلك معظم زعامات أوروبا وأحزابها الحاكمة أسباباً كثيرة لتجاهل المقتلة الكاملة التي تحدث في غزة عبر أسلحة الجيش واستراتيجية الجوع وتبريرها، والتفهم الصامت لمطالبات اليمين الإسرائيلي بإبادة غزة وإعادة احتلالها والاستيطان فيها. كانت غيمة التضليل القائمة على شيطنة الفلسطينيين كثيفة، بحيث يمكن تعويم موتهم وتجويعهم وصولاً إلى تهجيرهم، وتصفير تاريخ المأساة ليبدأ كل شيء من السابع من أكتوبر ومن "حماس".
بعد أكثر من 600 يوم على المقتلة يبدو المشهد مختلفاً تماماً؛ تفككت غيمة التضليل قبل أن ينجز القاتل المهمة تماماً، رغم أنه حصل على الكثير من الوقت. في الشارع الأوروبي حُسمت أمور كثيرة، الحقائق تصل، رغم كل شيء، والأجيال الجديدة تبدو خارج نظام ما بعد الحرب الثانية. وثمة نظام جديد يتراكم بقيمه وثقافته ومطالبه. تغيرت وسائل التواصل، تهشّم احتكار المعلومة وتدفقت الصور على الشوارع وفي صالات البيوت وفي حرم الجامعات وفعاليات الفنون...
ثمة عوامل كثيرة ساهمت في تحولات الموقف الأوروبي من حملة "الإبادة الجماعية" في غزة ومن إسرائيل نفسها، منها فداحة المشهد ووضوحه حيث لم يعد ممكناً تغطية "تجويع غزة". سياسات إدارة ترامب غير المتوقعة وصفقاته، قرارات محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات، الاحتجاجات في إسرائيل ومعارك نتنياهو مع منظومة القضاء وعائلات الأسرى والمعارضة والحريديم، الفاشية المنفلتة في اليمين الإسرائيلي، الموقف العربي رغم ضعفه في مواجهة التهجير... ولكن الشارع في أوروبا هو الذي نقل هذه العوامل إلى قاعات البرلمان وغرف القرار وخطابات الزعماء والأحزاب، رغم أن هذه التحولات لم تذهب حتى الآن، في معظمها، أبعد من محاولة امتصاص غضب الشارع عبر لغة مواربة ومخاوف مستهلكة، في محاولة لحصر الإدانة بمظهر المجاعة الفاضح، وربطها بأشخاص لا بسياسة إسرائيل القائمة منذ سبعة عقود ونصف عقد، حيث يبدو تجويع مليوني فلسطيني حد الموت، وإقصاء مؤسسات المجتمع الدولي عن تقديم المساعدة، أي مساعدة، وفرض آلية أمنية لتقديم الطعام تستدرج الجوعى وتقتلهم على مقربة من طرود الغذاء، وقتل أكثر من خمسين ألفاً وتدمير المدن على سكانها والمستشفيات والمدارس والبنى التحتية... أقرب إلى تصرفات فردية.