.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
بخروج كارول نافروتسكي، المرشح القومي الشعبوي، من انتخابات الرئاسة البولندية ظافراً، تكون موجة "ماغا" الترامبية قد أعادت الاعتبار لنفسها، بعدما فشلت في خطف السلطة في بوخارست ولشبونة. وكانت تلك الانتخابات الأحد الماضي بمنزلة الاستفتاء على أداء الائتلاف الحاكم بقيادة دونالد توسك منذ كانون الأول / ديسمبر 2023 من جهة، وعلى مدى تغلغل النفوذ الترامبي في أوروبا من جهة أخرى.
وفاز الرئيس الجديد بفارق ضئيل، 50،89 مقابل 49،11 في المئة لمنافسه رافاو تشاسكوفسكي، عمدة وارسو المعتدل مرشح حزب "المنصة المدنية" بزعامة توسك.
وقد استطاع المحافظون الجمهوريون هذه المرة أن يشجعوا "الوطنية" المتطرفة في أوروبا أو ينقلوها للقارة العجوز، في تدخل مباشر بالسياسات المحلية لا يختلف كثيراً من حيث الجوهر عن أساليب "تصدير الثورة" التي لم تلق النجاح المرجو من قبل طهران!
وكانت بولندا ذهبت إلى انتخاباتها الرئاسية، على وقع الضجيج في مجتمع يعاني من شرخ عميق بين أنصار اليمين الشعبوي المتطرف المعادي لأوروبا والمهاجرين، وبين الليبراليين من دعاة صون الحريات وتعزيز الديموقراطية وسيادة القانون وتمتين الروابط مع الاتحاد الأوروبي.
وحبست القارة أنفاسها وهي ترقب الصراع بين مرشح حزب "القانون والعدالة" الشعبوي، الذي خرج من الحكم قبل نحو 18 شهراً بعد 8 سنوات كانت حافلة بالمواجهات مع بروكسل، والعمدة المعتدل المؤيد لأوروبا، الذي خسر الانتخابات السابقة بفارق بسيط في 2020 أمام أندريه دودا، الرئيس المنتهية ولايته.
فاز تشاسكوفسكي بالجولة الأولى بفارق ضئيل. واستمات أنصاره لتسليط الضوء بقوة على ماضي منافسه، المشوب بشوائب خطيرة مزعومة، لكن فاتهم ملاحظة أنه كلما اشتدت الحملة ضد نافروتسكي، استقطب مزيداً من التأييد في أوساط المحافظين، تماماً كما كان يحصل مع توسك في العقد الثاني من هذا القرن، ولكن بصورة معكوسة.
ثم لقي المرشح اليميني الذي استقبله الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض قبل قرابة شهر، جرعة معتبرة من التأييد قدمتها كريستي نوم وزيرة الأمن الداخلي الأميركية. وإذ هاجمت عمدة وارسو "الاشتراكي" و"عديم الفائدة" فهي حثت البولنديين على انتخاب نافروتسكي وانتهاز الفرصة النفيسة لتنصيب "قائد قوي تماماً" كما ترامب! واللافت أن الوزيرة كانت تتحدث في "مؤتمر العمل السياسي المحافظ"، ملتقى عتاة اليمين المتطرف في أميركا وأوروبا ممن يأملون استخدامه بمثابة الإطار التنسيقي بين المجر وسلوفاكيا وبولندا.
المفارقة أن زميلها وزير الدفاع بيت هيغسيث كان يغدق المديح في واشنطن على حكومة توسك تقريباً في الوقت ذاته! ونُسب إلى هيغسيث قوله بمناسبة استقباله نظيره البولندي نائب توسك إن العلاقة بين البلدين "متينة كالصخر فكلاهما يجسد السلام من خلال القوة."، لكن هذه ليست المرة الأولى التي تتناقض فيها مواقف الإدارة الأميركية، ولن تكون الأخيرة.
والأهم هو تداعيات مواقفها، التي ستمنع هذه المرة حكومة توسك من تطبيق برنامجها الإصلاحي الموعود لتفكيك كل القيود التي فرضها اليمين على الحريات والعقبات التي وضعها في وجه سيادة القانون، ناهيك بتحسين العلاقات مع بروكسل.
بطبيعة الحال لا يتحمل الترامبيون الأميركيون مسؤولية ما حدث لوحدهم. توسك ارتكب أخطاء ولم يفِ بوعود كان قد قطعها على نفسه قبل انتخابه. صحيح أن بعض فشله يعود إلى "الفيتو" الذي استعمله ضده الرئيس دودا، وبعضه إلى التناقضات التي كانت تنهش الائتلاف الحاكم أو سوء التقدير. وصحيح أيضاً أن نافروتسكي سيكون خصماً أكثر شراسة من دودا ولا يستبعد أن ينجح في التمهيد لعودة اليمين القومي في 2027 إلى السلطة على جثة "المنصة المدنية"... والوسطية في بولندا.