.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
تمثلت النكبة (1948) بإقامة إسرائيل، وحرمان الفلسطينيين من هويتهم وكيانيتهم وحقوقهم الفردية والجمعية، وولادة مشكلة اللاجئين، بتشريد ثلثي الشعب الفلسطيني من أرضه ودياره (نحو 900 ألف)، إلى الدول العربية المجاورة، منهم 180 ألفاً في لبنان.
المشكلة أن لبنان، بظروفه الخاصة، لم يستطع هضم هؤلاء الفلسطينيين اللاجئين، من النواحي الإنسانية والاجتماعية، إذ قطنت غالبيتهم العظمى في 12 مخيماً (من أصل 59 مخيماً في بلدان اللجوء)، ظلت أحوالهم مزرية، من كل النواحي. فاقم من ذلك حرمانهم من فرص العمل في عشرات من المهن، مع إخضاعهم لمراقبة أمنية مشددة، والتعامل معهم باعتبارهم موضوعاً سياسياً وأمنياً، بمبرر حساسية، أو فرادة، وضع لبنان بتركيبته الطائفية.
بعد بروز الحركة الوطنية الفلسطينية، وقيام منظمة التحرير ككيان سياسي للشعب الفلسطيني، في أواسط الستينيات، دخل فلسطينيو لبنان في مسار جديد، بإعادة بعض الاعتبار لذاتهم، عبر الانخراط الواسع والنشط في المؤسسات والتشكيلات الفلسطينية بكافة أشكالها: السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، التي بدت بمثابة دولة داخل الدولة، بخاصة بعد إخراجها من الأردن (1970) وانتقال ثقل العمل الوطني الفلسطيني إلى لبنان، ما أثر على لبنان، وأدى إلى تصدع الإجماعات الوطنية فيه، وضمن ذلك على علاقته بالفلسطينيين.
وقد حصل هذا التطور بحكم هشاشة الدولة اللبنانية، بالقياس إلى الدول المجاورة، لكنه حصل أساساً بسبب سعي الأنظمة العربية تغطية هزيمة حزيران (1967) بالكفاح المسلح الفلسطيني، ومحاولة نظام الأسد (الأب) تعزيز شرعيته بالورقتين الفلسطينية واللبنانية.
المعنى مما تقدم أن تموضع الحركة الوطنية الفلسطينية في لبنان هو المسؤول عن الهيمنة السورية على لبنان، لثلاثة عقود (1976 ـ 2005)، وعن بروز "حزب الله" (1982)، وتالياً صعوده، وهيمنته على لبنان طوال العقدين الماضيين، مع كل التداعيات السياسية والأمنية والاجتماعية الناجمة عن ذلك، على الشعبين الفلسطيني واللبناني والسوري.
الملاحظة الأساسية هنا أن العمل الفلسطيني في لبنان خرج، أو أخرج، عن وظيفته الأساسية في مقاومة إسرائيل، منذ منتصف السبعينيات، إذ بات متورطاً بالحرب الأهلية اللبنانية، وبالتوظيفات الإقليمية في لبنان، ما فاقم حال الفوضى والانفلاش فيه.
بعد ذلك، أتى الغزو الإسرائيلي للبنان (1982)، الذي نجم عنه خروج الجسم الرئيس للحركة الوطنية الفلسطينية منه، وانتهاء ظاهرة الكفاح المسلح الفلسطيني من الخارج، ليتركز في الداخل، وتكبد فلسطينيو لبنان خسائر معنوية وسياسية وبشرية فادحة، شملت ترك جزء كبير منهم لبنان، في هجرة أخرى، إلى بلدان في القارتين الأوروبية والأميركية.
في هذه المرحلة تحولت المخيمات الفلسطينية، ولاسيما مخيم عين الحلوة إلى نوع من جزر أمنية، تعشّش فيها القوى المتطرفة والخارجة على القانون، والمطلوبة من قبل السلطة اللبنانية، والتي تستمد وجودها من أطراف لبنانية وإقليمية (سورية وإيرانية) أساساً، ما يؤكد أن القصة الأساسية لم تعد الكفاح المسلح الفلسطيني في مواجهة إسرائيل وإنما صارت شيئاً آخر.
الآن، تبدو الظروف الدولية والإقليمية والعربية، وضمنها انحسار نفوذ إيران، وتقويض قدرات "حزب الله"، وانهيار نظام الأسد، تشكل فرصة سانحة لتخليص الفلسطينيين واللبنانيين من عبء السلاح، الذي لم يعد له أي دور، ولا إمكانية، في مواجهة إسرائيل، تبعاً للآتي:
أولاً، إن الفصائل التي ظلت تتمسك بوجودها العسكري في المخيمات وخارجها، لم تعد تمارس الكفاح المسلح ضد إسرائيل، منذ زمن طويل، وهي لا تستطيع الدفاع عن المخيمات.
ثانياً، تلك الفصائل، التي تحرص على إبقاء تشكيلاتها العسكرية في مخيمات لبنان، كانت استقالت تماماً من كل الوظائف السياسية والاجتماعية والثقافية والخدمية، التي كان يفترض أن تقوم بها في إطار المجتمع الفلسطيني في المخيمات.
ثالثاً، لم تجلب التجربة المريرة والمكلفة للسلاح الفلسطيني في المخيمات وخارجها، أية عوائد للفلسطينيين، على صعيد حل قضيتهم من الناحية السياسية، أو لتأمين حقوقهم المدنية ـ الاجتماعية، كمقيمين موَقّتين على أرض لبنان، بقدر ما كشفت الطريقة الرخيصة لتوظيف هذا السلاح، بما يضر بالشعبين الفلسطيني واللبناني، وبصدقية قضية فلسطين.
رابعاً، لا شك أن الخلافات الداخلية الفلسطينية بدورها تخلق أوضاعاً متوترة في مخيمات لبنان، ومشكلة الساحة الفلسطينية أنها بالغت كثيراً في التركيز على تشكيلاتها العسكرية، وأنها أغفلت كثيراً البنى السياسية والاجتماعية والثقافية، وآن الأوان لتصحيح ذلك.
خامساً، الملاحظة أن سلاح الفلسطينيين في مناطق اللجوء والشتات، بات يقتصر على لبنان، فقط، في مرحلة انفكاك الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لذا ثمة ضرورة لإخراجه من دائرة المزايدات والتنافسات والتوظيفات، فقد دفع لبنان واللبنانيون ثمناً فادحاً لذلك.
سادساً، الحركة الوطنية الفلسطينية بعد كل التحولات والمتغيرات الفلسطينية والعربية والدولية، مطالبة بصوغ استراتيجية سياسية وكفاحية جديدة ومغايرة، تستفيد من التجربة الماضية، بتفحص إيجابياتها وسلبياتها، وضمنها تجربة الأردن ولبنان والأرض المحتلة.
على ذلك فإن قيادة الشعب الفلسطيني، في المنظمة والسلطة والفصائل، معنية بطيّ صفحة الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، والتنسيق مع الدولة اللبنانية بهذا الشأن، وتركيز جل اهتمامها على رعاية وضع فلسطينيي لبنان، وتأمين الخدمات لهم، والتخفيف من معاناتهم، وتعزيز ارتباطهم بكيانهم السياسي، وفتح نقاش مع الدولة اللبنانية بشأن منحهم الجنسية الفلسطينية، لدفع شبهة التوطين عنهم، وضمان تمتعهم بحق المقيم، مثلهم مثل المقيمين من أي جنسية أخرى، ومثلهم مثل اللبنانيين المقيمين في بلدان أجنبية... وهذا أضعف الإيمان.