.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
حتى الطقس كان مرحّباً بالرئيس جوزف عون، في زيارته الأولى إلى القاهرة، الإثنين الماضي. فتحت مصر ورئيسها وأزهرها وكنيستها ومؤسساتها أذرعها للرئيس اللبناني الذي ذكّر المصريين بوشائجهم الأزليّة مع اللبنانيين، قائلاً: إن ذاكرة الناس مستودع الحقيقة الأكثر صدقاً وعمقاً؛ فحين يقولون إن مصر "أم الدنيا"، وإنّ بيروت "ست الدنيا" فإنهم يؤكدون للعالم أجمع أننا إخوة أشقاء، إخوة من عمر التاريخ!
عون أوضح أن هناك "نقشاً" يحكي عن جبيل في "معبد الكرنك" -أعظم المعابد الفرعونية- منذ أكثر من 3 آلاف سنة، مضيفاً: "وفي قلوبنا جميعاً نقوش عن أخوتنا، باقية لآلاف السنين من التاريخ، ومنذ البداية جمعتنا نوازع الحرية، إذ حين أُسقطت أقلام بيروت فاضت أدباً وصحافة وسياسة على ضفاف النيل". إن "إخوتنا العريقة أمانة بين أيدينا اليوم لنجددها في عالمنا المعاصر، ولنبعثها حية خلاقة في منطقتنا العربية الراهنة. وتجديد الأخوة في هذا الزمن يقتضي منا ترسيخها على مفهوم عروبة المستقبل لا الماضي، أي على ضمان مصالح شعوبنا ومنطقتنا في عصر ثوري يتطور ذاتياً وآنياً".
وطالب عون القاهرة بدعم بيروت في المجالات ذات الأولوية الملحة، ولاسيما بناء مؤسسات الدولة اللبنانية وإعادة الإعمار والطاقة ورفع قدرات الجيش اللبناني. ويبدو أن عون ابن المؤسسة العسكرية يراهن على "تقوية الجيش اللبناني"، بما يساعده على أداء مهامه الدستورية، وضمان التزام إسرائيل بأي اتفاق لفك الاشتباك أو حتى السلام، في ظل الانقلاب الاستراتيجي في معادلات وتوازن القوى في الإقليم.
لم تفت عون الإشارة إلى التزام لبنان بالقرار الدولي الرقم 1701، للحفاظ على سيادته ووحدة أراضيه، لافتاً إلى أهمية دور قوات (اليونيفيل)، ووقف العدائيات الإسرائيلية، والعودة لأحكام اتفاقية الهدنة عام 1949. وفي إشارة ذات مغزى، شدد عون على أنه "لا مصلحة لأي لبناني، ولا لأي بلد وشعب في منطقتنا، في أن يستثني نفسه من مسار سلام شامل عادل".
وكان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قد استقبل نظيره اللبناني بحفاوة شديدة، في قصر الاتحادية، عكستها كلمته في المؤتمر الصحافي المشترك. ونوه السيسي بأن الروابط متينة بين الدولتين منذ أزمنة الفراعنة والفينيقيين، وأن مصر تدعم لبنان بكل صور الدعم، وتواصل مساعيها المكثفة مع الأطراف الإقليمية والدولية، لدفع إسرائيل نحو انسحاب فوري غير مشروط من كامل الأراضي اللبنانية، وطالب بالتنفيذ الكامل والمتزامن لقرار مجلس الأمن الرقم 1701، بما يمكّن الدولة اللبنانية من بسط سيادتها على أراضيها، وتعزيز دور الجيش اللبناني في فرض نفوذه جنوب الليطاني، ونوه بأن مصر تدعم لبنان في كل ما يطلبه.
ودعا السيسي المجتمع الدولي لحشد الجهود والموارد، لتنفيذ خطة إعادة إعمار غزة من دون تهجير، وتوسيع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
زيارة جوزف عون لمصر هي زيارة "تاريخية"، وبداية صفحة جديدة من العلاقات الثنائية، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً. يستقر لبنان في قلوب المصريين دائماً. يتجلى ذلك في ردات فعلهم، في أي ظروف صعبة يمر بها أشقاؤهم اللبنانيون- مع أن المصريين قد لا يكونون أسعد حالاً- لأنهم يعتبرون لبنان بلد العبقرية والحضارة والتنوع والانفتاح، منبع القومية العربية وركن ثقافتها التالدة، رافع لواء التحرر والخلاص من ربقة الاستعمار، بالمنطقة، سواء عثمانياً أو فرنسياً، حامل لواء الحداثة والمثاقفة مع الغرب والعالم، من دون شعور بالدونية أو الاستعلاء. لبنان سويسرا الشرق، في نظر أهل المحروسة وكثير من العرب.
أسهمت الجاليات اللبنانية في رفاه مصر الحديثة ونهضتها وتقدم فنونها. مَن مِن المصريين لا يحب بيروت؟ هاموا بها من خلال أشعار جبران وكتابات مطران وأغاني فيروز. بيروت بكل ما فيها، هي "المدينة الساكنة أسوار المخيال العربي"- بحسب محمد أركون- بيروت حالة وليست مدينة، حالة من التمثل الجمالي والنسق الإبداعي لكل ما هو شيق ومثير، بشراً وحجراً.
أفضل تعبير يمكن أن يقال عن العلاقات الثقافية المصرية- اللبنانية هو أنها "تنافسية تكاملية" في الوقت نفسه، ترفد النهضة الحديثة وترقّي الحضارة العربية، بل إن العلاقات المصرية اللبنانية أقدم كثيراً مما يتخيّل بعضهم. نموذج للتفاعل الإيجابي- وفق ما قال السيسي- من الاتجاهين. هذا ما تسجّله جدران المعابد الفرعونية عن علاقة المصريين القدماء مع الفينيقيين. خشب الأرز مقابل كتان إخميم الأروع عالمياً. حالة عشق مصرية للبنان، نظمها أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته "يا جارة الوادي"، ولحّنها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وغنتها فيروز.
الهيام المتبادل بين "أم الدنيا" و"ست الدنيا" ملمح خالد، في أزقة القاهرة العتيقة وبيروت المتمردة، يجعل ما تقدمه مصر للبنان خلال الأزمات ليس مساعدات مادية أو لوجستية، إنما قلوب عاشقة ومحبة، وأياد ممتدة بصدق لاستنهاض لبنان من وهدته، والعمل يداً بيد مع أبنائه، لإعادة زمن الأمجاد التليدة، وهم يرددون: بحبك يا لبنان!