.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
حين تنتهي الجولات الانتخابية البلدية والاختيارية في سائر المحافظات اللبنانية، سيغدو ممكنا، بل ضروريا وملحا ولو وسط ازدحام الأولويات الضاغطة، إجراء مراجعة احترافية ودقيقة ومتجردة تماما لواقع المجتمعات المحلية، تبعا لما تركته وستتركه هذه الانتخابات من خلاصات يستحيل تجاهلها. وليس استعجالا ولا تسرعا اعتبارنا أن ما واكب الجولتين الأولى والثانية من هذا الاستحقاق الانتخابي بمزيجه السياسي والعائلي وما سيتتابع في الجولتين الأخيرتين منه سيشكل حدثا استشرافيا للاستحقاق النيابي المفصلي في السنة المقبلة، أكثر بكثير مما ظن معظم المتابعين لمجريات الواقع اللبناني. ولا تقف أهمية هذا الاستحقاق عند كشف وقائع مجتمعات مغمورة منذ تسع سنوات حين أجريت آخر انتخابات بلدية قبل هذه الجارية حاليا، بل تتعداها إلى التدقيق في حقيقة طبائع اللبنانيين تبعا لتوزع مناطقهم بعد عواصف هائلة هبت عليهم وأزمات كاسرة طاحنة مختلفة، أمنية واقتصادية ومالية وإنمائية عانوها ولا يزالون يرزحون تحت تداعياتها.
ثمة في الواقع ما يستعجل المدققين ليستخلصوا أن الناس لم ينجحوا بالقدر الكافي بعد في إلزام السياسة الانصياع للاتجاهات الأهلية الخالصة وليس العكس. معظم نتائج جبل لبنان والشمال وعكار لا تشكل بشرى أن الإرادات الأهلية كانت القاطرة التي ألزمت القوى الحزبية والسياسية الانصياع لها، حتى تلك القوى التي ظهر منها ما لا يزال يعتبر إقطاعات في كل المناطق ولدى جميع الطوائف. هذا عامل مريح ومطمئن للقوى السياسية والحزبية وليس للطامحين إلى تغيير كبير ينطلق من ثورة فكرية مجتمعية في بلد عانى هذا السياق التاريخي من العذاب الأهلي. ثم إن ثمة ما يخيف بعد في طبائع أشبه ما تلتصق بطقوس قبلية تنحو نحو العنف بخفة مريعة.
إن الصورة الميليشيوية المقيتة لمجموعات أو أفراد يمعنون في نزعات جاهلية لإطلاق العنان للرشاشات والمسدسات في ظاهرة إطلاق الرصاص ابتهاجا أو احتجاجاً، على غرار الظواهر التي صدّرتها مناطق طرابلس وعكار خصوصا، تثير الخشية المتعاظمة من انتفاء قدرة الدولة والمجتمع على ردع سلوكيات عنفية تغدو أخطر حين يسوّغ لأصحابها أنهم مجرد "فقراء" أو بسطاء، في حين يجري تجاهل واقع دولة لا تزال محشوة بالسلاح والمسلحين وليس فقط بترسانات مثل ترسانة "حزب الله" والمخيمات الفلسطينية.
أما في سياقات "الاختلاط " بين السياسي والعائلي وما يضيع بينهما من تمييز في إظهار استقلالية المواطن الناخب وتجسيده لقرار بلدي أهلي خالص بلا ضغوط وتأثيرات حزبية وطائفية وسياسية، فهنا يمكن الجزم بأن اللبنانيين بنسبتهم الساحقة سيفشلون فشلا ذريعا في تصدير صورة التغيير الواسع الكبير والجذري الذي يفترض أن يشكله هذا الاستحقاق في توقيته وظروفه، لأن اختباء السياسة عموما وراء العامل العائلي أو الإنمائي شكل "النكتة" المخادعة، بل الأسطورة العظمى لمجمل الواقعات الانتخابية السابقة وحتما اللاحقة.
وإذا كان من مؤشرات الاستحقاق الحاضرة تراجع نسب المشاركة عموما عن الانتخابات السابقة عام 2016 كما استفحال المخالفات وعامل الرشوة، وهروب كبير نحو التوافقات والتزكية تجنبا للمعارك الانتخابية، فهذه علائم كسل تغييري خطير ضرب المجتمعات المحلية قاطبة، وستشكل هدية ثمينة للغاية للقوى الحزبية والسياسية لشحذ حساباتها الاستباقية لأيار الانتخابات النيابية بعد سنة. ولا ترانا نبالغ إن توقعنا أن ترسّخ انتخابات بيروت والبقاع والجنوب هذا "التشاؤم" المفرط بتسرعه!