.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لم تكن إسرائيل دولة طبيعية في الإقليم منذ إعلان تأسيسها في العام 1948، حيث ارتبط ذلك التأسيس، أو "الاستقلال"، كما أعلن عنه في أدبيات "الدولة" بـ"نكبة" الشعب الفلسطيني وموجة غير معتادة، حتى ذلك الحين، من اللاجئين في محيط دول ناشئة صنعتها وقسّمتها اتفاقية بين قوتين استعماريتين، "سايكس بيكو". كيانات لم يكتمل لديها مفهوم الاستقلال ومعايير المواطنة، تتجاذبها مصالح مشوّشة، ومفاهيم ملتبسة بين واقع "الدولة الوطنية" المنشودة الذاهبة في مغامرة المستقبل، والحنين إلى "الوحدة العربية" القادم من ذاكرة جمعية تعززها بلاغة الماضي والتاريخ الإسلامي العربي، أو "سوريا الكبرى" المشروع الذي قدمه اللبناني أنطون سعادة متجاوزاً الحقب التاريخية والأديان، منطلقاً من "الميثولوجيا السورية" كأرضية لوحدة الإقليم السوري وانبعاث "الأمة السورية"، المشروع الذي ستمزقه فكرة الدولة اليهودية في فلسطين، ويصطدم مع مشروع "القومية العربية" القادم من "حركة النهضة"، وتحاربه برامج دولة الخلافة والبطريركيات، وتلاحقه أنظمة الدول الوطنية الناشئة.
لم تكن رواية "التحرير" أو "حرب التحرير" التي ساقتها "الحركة الصهيونية" كافية لمنح "إسرائيل" حصانة "الدولة الطبيعية"، كان كل شيء قادماً من "التاريخ" الذي صاغته الرواية الدينية واستعادته، التاريخ بمكوناته كما وردت في الخرافة؛ المكان والأعداء والأسماء بما فيها تأليف اللغة الملائمة لهذه الاستعادة الكبرى.
ولم يكن اعتبار دولة الانتداب عدواً وطنياً، وهي هنا "بريطانيا"، الشركة في "سايكس بيكو" وصاحبة وعد إقامة الدولة والراعية لتسهيل هجرة اليهود إلى البلاد الفلسطينية ومصدر السلاح والتدريب لأعضاء المنظمات الصهيونية، والشريك الفعلي في قمع ثورة الفلسطينيين وموجات الاحتجاج التي لم تتوقف طوال ما يقرب الخمسة عقود التي سبقت "النكبة"، ثم تطوير وتسليح "الجيش" المتشكل من العصابات المسلحة وتمويل اقتصاد الدولة نفسها وحمايتها سياسياً، وتوفير كل ما تحتاجه لتتفوق بشكل مطلق على مجموع دول الطوق... إلى آخر هذا الدور المتواصل حتى الآن في حرب الإبادة الدائرة في غزة.
سردية "التحرير" و"الاستقلال" كانت أقرب إلى شبكة استعارات لم تتمكن من منح "الدولة الجديدة" صفة الطبيعية، ولذلك تبدو الآن بعد أكثر من سبعة عقود على ظهورها في المنطقة، مثل سفينة حربية فضائية عدوانية تماماً، تقودها مخلوقات من كوكب آخر تعيث فساداً وتدميراً في المحيط لتأمين منطقة هبوطهم وتوسيعها.
تواصل "إسرائيل الجديدة"، وهي تنبش الإقليم تحت قيادة اليمين الفاشي، اكتشاف أعداء جدد، وبقدر ما منحها السابع من تشرين الأول / أكتوبر ما تعتبره شرعية الهجوم حتى "النصر المطلق" غير المتحقق. فقد أيقظ في الوقت نفسه الإحساس بالهشاشة وعدم اليقين، فكرة أنها تعيش على جغرافيا صغيرة وأنها لا تملك تلك العفوية التي تتمتع بها الكيانات العادية، وما تستدعيه هذه الفكرة من قلق ومخاوف، حين يصبح كل شيء من حادث سير في طريق ترابية، إلى تسلل أفراد بحثاً عن عمل، أو طفل يلقي بالحجارة على دورية حرس الحدود المصفحة، إلى نشوب حريق في حرش يغصّ بالمتنزهين... تهديداً وجودياً للدولة.
هذا ضروري لفهم اندفاع نزعة التوسع والهيمنة من غلاف "الدولة" إلى الجوار، الجوار الذي سيستدرج جواراً جديداً في عملية متدحرجة لم تتوقف منذ "إعلان الدولة"، وهو نموذج التوسع الاستيطاني نفسه المتبع في فلسطين، "برج وسياج"، الذي يستدرج للسياج برجاً وللبرج طريقاً وللطريق سياجاً... وهكذا.
دعوات المصالحة مع المحيط التي نشأت عبر نوبات حراسة اليسار اليهودي تراجعت، بعد أن فقدت تأثيرها الذي وصل في أقصاه إلى توقيع اتفاقيات "أوسلو"، ولكن يمكن سماع أصواتها الخافتة حين تهدأ ضجة السلاح مثل حكايات الجنيات قبل النوم.
لقد انتصرت الفاشية في "إسرائيل"، هناك في الشوارع والمستوطنات وأجهزة الدولة أولاً، بينما تفككت الليبرالية الهشة المصطنعة لمجتمع "الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وهي تقف الآن، في أفضل أحوالها، خلف أمهات الأسرى والمحتجزين في غزة، بينما النخب في طريق هجرتها إلى العالم الغربي الذي يشبهها.
الحرب بدأت في "إسرائيل" صبيحة "أوسلو" واغتيال رابين، وحسمت هناك قبل أن تنتقل إلى غزة ولبنان وسوريا وتلقي ظلالها على الإقليم.
ثمة "إسرائيل جديدة" كانت تتراكم في الظل وتخوض حروبها بقسوة وتستولي على كل شيء، قبل أن تظهر كاملة خارج القناع.
لذلك ستبدو التحليلات التي تتعثر خلف بنود الاتفاقيات وسعي الوسطاء وإشارات إدارة ترامب، المنطلقة في توصيف هذه الموجة من الاحتلال وحصرها في أزمات بنيامين نتنياهو ونفوذ اليمين الديني المتطرف، وتصريحات بنغفير أو سموتريتش وكاتس... وطفرة الفاشية، قراءة قديمة في واقع لم يعد موجوداً.