المغرب وموريتانيا: دينامية جديدة تتحدى العدمية في المنطقة

كتاب النهار 09-05-2025 | 01:06
المغرب وموريتانيا: دينامية جديدة تتحدى العدمية في المنطقة
في زمن التحولات الإقليمية الكبرى، يبدو أن المغرب وموريتانيا قد اختارا سكة المستقبل: التعاون لا الاصطفاف، التكامل لا التصادم، وهو خيار عقلاني تفرضه الجغرافيا، ويعززه التاريخ...
المغرب وموريتانيا: دينامية جديدة تتحدى العدمية في المنطقة
منعطف سياسي هام وحاسم
Smaller Bigger

يأتي انعقاد المنتدى البرلماني الاقتصادي المغربي - الموريتاني الذي تحتضنه نواكشوط يومي 9 أيار / مايو الجاري و10 منه، في سياق يتسم بتطور لافت في العلاقات الثنائية بين البلدين، وهو منتدى يتجاوز الطابع البروتوكولي ليعكس إرادة استراتيجية عميقة في الدفع بالتعاون الثنائي نحو آفاق أوسع، قائمة على المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي الإقليمي. لأهمية المنتدى فإن جميع أطراف المشهد البرلماني المغربي تحضر، غالبية ومعارضة، برئاسة رئيس مجلس النواب راشيد الطالبي العلمي بالإضافة إلى أعضاء في الحكومة. وسيناقش المنتدى قضايا غاية في الأهمية، منها الأمن الغذائي والزراعة والصيد البحري، مناخ الأعمال والتكوين المهني. 

شكلت زيارة الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى المغرب، ولقاؤه العاهل المغربي الملك محمد السادس يوم 21 كانون الأول/ ديسمبر 2024، منعطفاً سياسياً مهماً وحاسماً، تجدد من خلاله الزخم في العلاقات بين البلدين. وقد كانت دلالات هذا اللقاء تتجاوز الجانب البرتوكولي إلى ما هو أعمق، فقد كان شهادة على أن ما يجمع المغرب بموريتانيا يتجاوز منطق السياسة الضيق، إلى ثقل التاريخ المشترك والعلاقات الاجتماعية والأصول المشتركة، إضافة إلى المشترك الديني والمذهبي والثقافي، وكشف أيضاً عن نوع من التنسيق السياسي الإقليمي بين البلدين، ما يؤكد انخراط المغرب وموريتانيا في مشاريع استراتيجية كبرى.

من أبرز هذه المشاريع نذكر أنبوب الغاز النيجيري - المغربي، الذي يمر عبر موريتانيا، ويعد أحد أعمدة الأمن الطاقوي المستقبلي في غرب إفريقيا، فضلاً عن كونه مشروعاً جيوستراتيجياً بامتياز، يربط جنوب القارة بغربها وشمالها، في خطوة تحوّلية لتعزيز التكامل القاري وتنويع مصادر الطاقة نحو أوروبا، وهو مشروع يحظي بدعم دولي كبير. وقد أكدت الإمارات العربية المتحدة انخراطها في تمويل المشروع الذي انتهت جميع الدراسات الخاصة لإنجازه كما أعلنت وزيرة الطاقة المغربية ليلى بنعلي. 

كذلك تندرج من ضمن هذا التوجه مبادرة ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة، وهو مشروع ملكي سيؤسس لبنية لوجستية غير مسبوقة في المنطقة، تمنح للدول غير الساحلية مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ويمكن أن تضاف إليها تشاد، منفذاً آمناً للتبادل التجاري، في ظل هشاشة المعابر التقليدية شرقاً نحو البحر الأحمر أو شمالاً نحو البحر الأبيض المتوسط، حيث تهيمن النزاعات الأمنية والاضطرابات السياسية، بخاصة بين الجزائر ودول الساحل التي سحبت سفراءها من الجزائر التي تتخبط في سياسة عدمية لا تستوعب المتغيرات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة والعالم. 

إلى جانب هذه المشاريع الكبرى، تمضي الرباط ونواكشوط في تعزيز العلاقات الاقتصادية المباشرة، من خلال فتح معابر تجارية جديدة، وتطوير معبر الكركرات الحيوي، الذي يلعب دوراً محورياً في ربط المغرب بأسواق إفريقيا الغربية عبر الأراضي الموريتانية. وهذا التطور يفتح آفاقاً أمام التجارة البينية، ويحفّز الاستثمارات الخاصة، بخاصة في مجالات الفلاحة، والصيد البحري، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، وقد أظهرت آخر الأرقام توسعاً في توظيف المعبر لصالح صادرات موريتانيا من البطيخ الأحمر الذي يصدّر إلى أوروبا عبر الميناء المتوسطي لطنجة. 

لكن لا يمكن قراءة هذه الدينامية خارج السياق الإقليمي المتوتر، حيث تلعب الجزائر دوراً سلبياً واضحاً، تسعى من خلاله إلى عرقلة أي تقارب بين المغرب وجيرانه، بل تجاوزت ذلك إلى الإساءة إلى أصدقائه في الشرق نظير الإمارات العربية المتحدة وفي الشمال نظير إسبانيا وفرنسا. الجزائر التي تأبى تقبّل الواقع الجديد واليد الممدودة، تجد في التعاون المغربي - الموريتاني مصدر إزعاج، بخاصة في ظل التوجه الدولي المتصاعد نحو دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء، واعتباره حلاً جدياً وذا صدقية.

هذا الواقع الجديد، الذي تؤكده تحركات دولية متوالية نحو فتح قنصليات في الأقاليم الجنوبية المغربية، لم تَرُق للنظام الجزائري، فاختار سياسة التشويش على كل علاقات التعاون التي تنسجها الرباط، سواء مع موريتانيا، أو مع دول إفريقية أخرى. وقد لجأت الجزائر إلى تحريك أدواتها الإعلامية التي لا تزال تشتغل بعقلية "البرافدا" والديبلوماسية لتقويض هذا التقارب، بل تسعى إلى تقديم إغراءات اقتصادية في الكواليس لخلق اصطفافات مصطنعة ضد مصالح المغرب.

غير أن الواقع يفرض منطقه: المصالح الاقتصادية والتنموية، بخاصة في إفريقيا، لم تعد تقبل التردد والاشتراطات أو الاصطفافات الأيديولوجية، والمشاريع التي يقترحها المغرب، بشراكة مع دول مثل موريتانيا ونيجيريا، تستجيب لحاجات تنموية حقيقية، في مجالات حيوية تمس حياة الشعوب وتضمن استقرار الأنظمة وتقوم على منطق رابح رابح. وهو ما يفسر انسحاب النيجر من مشروع كانت ترعاه الجزائر وراهنت عليه بكل الوسائل وهو أنبوب الغاز نيجيريا - الجزائر الذي كان من المفترض أن يعبر أراضي النيجر. 

المنتدى البرلماني الاقتصادي المغربي - الموريتاني، إذن، ليس مجرد لقاء عابر، بل هو تجلٍّ عملي لتحوّل بنيوي في المنطقة، قائم على التعاون جنوب-جنوب، وتنمية الأقاليم الحدودية، وتكريس الرباط ونواكشوط شريكين موثوقين في مشاريع استراتيجية تفرضها الضرورة والواقعية السياسية.

في زمن التحولات الإقليمية الكبرى، يبدو أن المغرب وموريتانيا قد اختارا سكة المستقبل: التعاون لا الاصطفاف، التكامل لا التصادم، وهو خيار عقلاني تفرضه الجغرافيا، ويعززه التاريخ، وتثبته الحاجة إلى الاستقرار والتنمية في فضاء الساحل والصحراء.