في ذكراه السبعين... ماذا تبقى من باندونغ؟

كتاب النهار 05-05-2025 | 00:18
في ذكراه السبعين... ماذا تبقى من باندونغ؟
بعد مرور سبعين عاماً، ماذا تبقى من روح باندونغ؟ في ظل الفوضى الحالية في العلاقات الدولية، يتعين علينا أن نفكر في أهمية باندونغ من منظور تاريخي واستراتيجي، على خلفية التغيير الكبير غير المسبوق... 
في ذكراه السبعين... ماذا تبقى من باندونغ؟
من مؤتمر باندونغ 1955
Smaller Bigger

يصادف هذا العام الذكرى السبعين لمؤتمر باندونغ، وهو أول مؤتمر دولي في التاريخ يجمع زعماء من البلدان الآسيوية والأفريقية، والذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة. ومع ذلك، العالم الذي ولد في ذلك المنعطف من تاريخ البشرية، عند مفترق طرق غير مسبوق.

ويصادف هذا العام أيضاً الذكرى الثلاثين لتأسيس منظمة التجارة العالمية، لكن الحرب التجارية التي شنتها إدارة ترامب في الولايات المتحدة ضد العالم تقوّض بشكل مباشر المبادئ الأساسية للتجارة. لكن إذا نظرنا إلى التاريخ، فسوف نجد أن العلاقات الدولية قبل سبعين عاماً كانت مليئة بالمخاطر وعدم اليقين.

جمعت باندونغ 29 دولة آسيوية وأفريقية، وهو عدد أكبر حتى من عدد المشاركين في المؤتمر التأسيسي للأمم المتحدة. وأصبح المؤتمر علامة فارقة في الصوت الجماعي للدول المستقلة حديثاً في الموجة التاريخية لإنهاء الاستعمار في فترة ما بعد الحرب. بعد مرور سبعين عاماً، ماذا تبقى من روح باندونغ؟ في ظل الفوضى الحالية في العلاقات الدولية، يتعين علينا أن نفكر في أهمية باندونغ من منظور تاريخي واستراتيجي، على خلفية التغيير الكبير غير المسبوق في الصعود الجماعي لـ"الجنوب العالمي". ومن هذا المنظور، يمكن القول إن المؤتمر يشكل نقطة انطلاق مهمة للعالم غير الغربي لاستكشاف ذاته وتحقيقها.

أرسى مؤتمر باندونغ مبدأ احترام تنوع كيانات المجتمع الدولي، مشيراً إلى أنه لا يمكن ضمان العلاقات الدولية المستدامة إلا من خلال بناء معايير جديدة للمساواة الحقيقية والشمول. الأمر الذي أرسل إشارة واضحة، كون الأنظمة السياسية والأيديولوجيات لا ينبغي أن تصبح عائقاً أمام تطوير العلاقات الطبيعية والتعاون الدولي بين البلدان على قدم المساواة. وثانياً، قدم إطاراً أساسياً للعلاقات بين البلدان الإقليمية والقوى من خارج المنطقة، وكان شديد اليقظة ضد التدهور المحتمل للوضع الأمني الإقليمي الناجم عن تشكيل تحالف عسكري دفاعي جماعي من قوى خارجية. ويمكن القول إن روح باندونغ هي التبلور الأيديولوجي لممارسات التعاون بين الدول الآسيوية والأفريقية، التي أسست لواقع تاريخي ورمزي جديد هو الجنوب العالمي.

لكن هذا الجنوب العالمي - الذي كان يسمى عالماً ثالثاً - يطير بجناحٍ واحدٍ هو الشرق. فالجناح الآسيوي لباندونغ كسر عنه أغلاله الفكرية منذ سنوات وأصبح يشغل موقعه الطبيعي ضمن علاقات القوّة الدولية، في المقابل ظل الجناح الأفريقي مكسوراً ضعيفاً، لأنه لم يجر تحوله الفكري والفلسفي المطلوب، ليخرج من منطق الضحية إلى موقع الفاعل المسؤول والمؤثر في مصيره وفي العالم. مع أنه يملك جميع المقومات للنهوض. ومع الوقوف عند نقطة انطلاق تاريخية جديدة، فإن تعزيز روح باندونغ ليس فقط مطلباً لا مفر منه للتكيف مع الاتجاه الصحيح لتطور العلاقات الدولية واتجاه العصر، بل هو أيضاً حاجة موضوعية للاستجابة للتحديات العالمية الحالية وبناء أقل شروراً مما نعيش بشكل مشترك.