.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
فاجعة أخرى، ومختل آخر، هذه المرة في فانكوفر الكندية حيث قام إرهابي بحادثة دهس جماعي وسط حشد للجالية الفلبينية للاحتفال بيوم "لابو لابو"، وهو الزعيم القبلي الذي قهر القوات الإسبانية في 1521.
حادثة أخرى، وسقوط 11 ضحية على الأقل. ولكن ككل الفواجع، خرجت من قلبها لؤلؤة ثمينة من الإيجابية، والتي تمثّلت -بالنسبة إليّ- في ردود الأفعال الشعبية المتعاطفة بصدق وألم مع الجالية الشرق آسيوية، والمستنكرة بشدة أي اعتداء عليها. بالطبع، لا ينبغي للتعاطف أن يقترن بمدى محبتنا وتفضيلنا للضحايا، ولكن اسمحوا لي أن "أتفهّم" القلوب المنكسرة من حول العالم على الفلبينيين تحديداً.
أسوة بالكثير غيرنا من الشعوب، عرفنا في الخليج الفلبينيين منذ عقود، وسأمارس "جريمة" التعميم لأشهد على أننا عرفناهم جالية طيبة، لطيفة، محترمة، لبقة، متحضرة ومتعاونة، لا يُعرف عنها جنوحها للمتاعب والإجرام، ولا عصفها بحالة السلم والأمن. لم نعهدهم يستجلبون العداوات، ولا يفسدون الود بينهم وبين الآخرين.
عرفناهم يخالطون الجميع من دون تحفظات، فيحبون ويُحبون رغم فوارق الجنسية والعرق والثقافة واللغة، كأنما كانوا أطفالاً في ساحة ترابية عملاقة. عرفناهم أنموذجاً للتعايش والتآخي، فعلى رغم ميلهم للتدين، لا تستغرب إن وجدت أعز صديقات الفلبينية الكاثوليكية، والتي بكت وفاة البابا فرانسيس، هي مواطنتها المسلمة المحجبة التي تتجنب الكحول ولحم الخنزير.
عرفناهم كتلة من المرح والبشاشة، فيندر أن تدخل مقهى من دون أن تسمع غناء طاهي المخبوزات الفلبيني، أو ترى تمايل النادلة الفلبينية مع المذياع. هكذا هم، تشرق ابتساماتهم حيثما كانوا، وتدوي ضحكاتهم العالية، وتنطلق ثرثراتهم المبتهجة بسرعة ألف حصان.
عرفناهم مقدمين حرصاء للرعاية بكل أشكالها. أمد ذراعي المشمّر عنها للممرضة الفلبينية بينما العرق يتصبب على وجهي. "كابايان"، أهمس لها، وهي الكلمة التي ينادي بها الفلبيني تحبّباً ابن بلده. أخبرها محرجة -مثل من يعترف بخطيئته للكاهن- بأني أعاني فوبيا الإبر والدم، وقد أفقد الوعي في أي لحظة. ولأنها فلبينية، فإنها تطمئنني الى أنها ستكون غاية في الرفق. "سلامت"، أشكرها بلغتها.
عرفناهم عاملات منزليات يدخلن بيوتنا، فيشاطرننا الأعباء، ويقاسمننا الذكريات، ويشاركن في تنشئة أجيالنا. ومثلما يتعلمن لهجاتنا الخليجية، ويتحدثنها بلكنتهن الفلبينية الظريفة، فأنا لا زلت قادرة على ترديد أنشودة الأطفال التي لقنتني إياها مربيتي روزماري بلغة "التاجالوج" حينما كنت في السابعة.
إنهم شعب يعشق الحياة بحق، ويقدّس أفراحها، ويريد التزود منها كيفما استطاع. لهذا ستراهم يتحينون الفرص لتأجير جهاز "الكاريوكي"، أو لقضاء اليوم على الشاطئ، أو لحضور مباراة لكرة السلة حينما يفد إلى الخليج فريق فلبيني.
وهذا التعاطف والمؤازرة الذي انهمر على الفلبينيين بعد حادثة الدهس الشنيعة في فانكوفر، وحتى من خلال مقالتي هذه، لا يثبت سوى أن شعب أي دولة قد يكون- بأخلاقه ولطافته وحُسن تعامله- أعتى ما في ترسانتها من قوة ناعمة.