أيّ أولويات للأطباء في تونس؟

كتاب النهار 30-04-2025 | 00:56
أيّ أولويات للأطباء في تونس؟
من غير الواقعي أن يحاول أيّ قطاع مهنيّ وضع حواجز أمام مشاركة المنتسبين إليه، سواء أكان طبياً أم حقوقياً أم هندسياً...، في التعبير عن آرائهم ومشاغلهم بخصوص القطاع الذي يعملون فيه
أيّ أولويات للأطباء في تونس؟
ليس سراً أن القطاع الصحي بشقيه العمومي والخاص، يعاني مشاكل عديدة.
Smaller Bigger

في مجتمع مثل المجتمع التونسي، يشارك الآلاف كل يوم في مناقشة المستجدات وتبادل الأخبار على المنصات الإلكترونية، التي تبقى منبراً مفتوحاً، يُدلي عبرها الكلّ بدلوه، وتختلط فيها التحاليل الجدية بالدردشات الفضفاضة. لكن تطرّق النقاش إلى مسائل حيوية، مثل تلك التي تهم سلامة الأسرة والأبناء، يؤدّي إلى تغيير الأمر تماماً.

خلال الأسابيع الأخيرة، اضطر عديد الأطباء المتخصصين، كما اضطرت الهيئات الطبية الرسمية وغير الرسمية، إلى التحرك بشكل عاجل ومكثف للردّ على محاولات قام بها البعض عبر منصة "فيسبوك" للتشكيك في سلامة التطعيم الموجه للفتيات ضدّ ما يسمّى بفيروس الورم الحليمي.

تزامنت محاولات التشكيك مع بدء حملة التطعيم للوقاية من سرطان عنق الرحم الذي تصاب به 400 امرأة تقريباً سنوياً في تونس. ورغم أن التطعيم ناجع بنسبة تفوق الـ 90 في المئة، وسبقت تجربته بنجاح في عديد بلدان العالم، فقد أثارت بعض التدخّلات الخوف لدى الكثير من الأولياء من مخاطر التلقيح على صحة بناتهن. وما زاد في حدّة هذه المخاوف انتشار مقاطع فيديو لأشخاص يدّعون معرفة بالمسائل الطبية، من بينهم على الأقلّ طبيبة معروفة، دعت إلى مقاطعة التطعيم من دون تقديم أية إثباتات علمية تدعم مواقفها، زاعمة أن التطعيم ضروريّ فقط في المجتمعات الغربية، حيث تنتشر العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج.

رغم كل شيء لم تنجح محاولات المشكّكين في إفشال حملة التطعيم، وأحيلت الطبيبة التي شاركت فيها على مجلس التأديب. ولكن الجدل حول هذا الموضوع تلته مبادرة من عمادة الأطباء (وهي أهم هيئة تجمع الأطباء في تونس) في مسعى برّرته بمحاولة درء التجاوزات، واجتناب نشر بعض الأطباء لمعلومات خاطئة من شأنها تعريض سلامة المواطنين للخطر. وأصدرت الهيئة ميثاقاً يتضمّن جملة من الضوابط، تطلب من أعضائها الالتزام بها في تعاملهم مع وسائل الإعلام واستخدامهم للإنترنت. من خلال هذه الضوابط، أظهرت الهيئة رغبة في تجنيب القطاع مخاطر قد تنجر عن انزلاق الأطباء وراء الدعاية الشخصية، وتغليب النزعات التجارية على الأغراض النبيلة لعملهم، من خلال مواقع الإنترنت أو وسائل الإعلام. كذلك ركّزت من خلال الميثاق، الذي أصدرته، على حماية خصوصية المرضى، وضمان عدم إفشاء الأسرار الطبية أو الإضرار بأسس العلاقة بين المريض وطبيبه. لكن الهيئة أثارت بمبادرتها تساؤلات بخصوص حق الأطباء في حرية التعبير وحق المواطن في استقاء المعلومة الصحية الصحيحة. فقد تضمن الميثاق بنوداً تحتاج بكل تأكيد إلى مراجعة، بعضها يحظر مثلاً "أيّ تعاون منتظم بين أيّ طبيب ومؤسسة صحافية أو منصّة أو موقع إنترنت يقدّم معلومات للعموم في مجال الصحة"، كما يشترط على أي طبيب الحصول على الموافقة المسبقة لعمادة الأطباء قبل ظهوره على وسائل الإعلام أو نشره لمعطيات طبية.