.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ثلاث سنوات مضت والسودان غارق في ظلمة حربٍ لا تلوح لها نهاية. اشتعلت شرارة النزاع في نيسان/ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. حربٌ أحرقت البلاد بنيرانها، وأغرقت الملايين في مآسٍ إنسانية لا توصف. رغم بعض التحوّلات في الميدان، فلا يزال السلام بعيد المنال؛ ومنذ ذلك الحين والبلاد تسير من خراب إلى خراب، حتى غدا السؤال الملحّ: متى ينتهي هذا الليل الطويل؟
بعد عامين من معارك طاحنة، تمكّن الجيش السوداني أخيراً من تحقيق اختراق مهمّ بالسيطرة على مطار الخرطوم والقصر الرئاسي، معيداً ترتيب موازين القوى في قلب العاصمة. لكن هذا التقدّم لم يحمل معه نهاية للصراع، بل أدخل الحرب في مرحلة جديدة أشدّ تعقيداً. فبينما بدأ بعض السكان بالعودة إلى أطلال منازلهم وسط العاصمة المدمّرة، لا تزال نيران القتال مشتعلة في أطراف السودان، بخاصة في إقليم دارفور، حيث تتكثف الهجمات الدامية وتتعاظم الكارثة الإنسانية.
ورغم خسائر قوات الدعم السريع في الخرطوم، لم تفقد هذه الميليشيا قدرتها على القتال، إذ لا تزال تسيطر على مناطق واسعة من الغرب السوداني، وتستفيد من دعم إقليمي، وتستخدم تقنيات عسكرية متطوّرة كالمسيّرات لضرب خصومها. هذا الواقع العسكري المتشابك جعل الحسم النهائي بعيداً، ومهّد الطريق أمام استمرار حرب استنزاف قاتلة، يدفع ثمنها الشعب السوداني كلّ يوم. لم يعد القتال صراعاً على العاصمة فحسب، بل أصبح معركة بقاء متشعبة الأطراف، تغذّيها حسابات داخلية وإقليمية متشابكة.
ميدانياً، تعاني البلاد من انهيار اقتصاديّ شبه كامل، مع خسائر تقدَّر بنحو 200مليار دولار، ونزوح أكثر من 15 مليون سودانيّ في داخل البلاد وخارجها، ونُذُر مجاعة حقيقية تهدد حياة الملايين، بخاصة في دارفور. ولم يعد الحديث مقتصراً على كارثة إنسانية فحسب، بل امتد ليشمل خطر تفكّك السودان ذاته، مع تصاعد النزعات الانفصالية، وانتشار الإرهاب والجريمة المنظمة في فراغ أمنيّ متزايد.
في هذا السياق المظلم، تبرز عدّة سيناريوات محتملة لنهاية الحرب. قد ينتصر أحد الطرفين عسكرياً، لكنه احتمال ضعيف ومعقد، في ظل استنزاف الجميع وطول أمد القتال. وقد يتدخّل طرف دولي أو إقليمي لفرض تسوية فوقية، غير أن تباين مصالح القوى الفاعلة يقلّل من فرص ذلك الخيار. يبقى إذن السيناريو الأقوى منطقاً: الذهاب إلى مفاوضات سياسية حقيقية تضع حدّاً للقتال، وتفتح الطريق أمام سلام مستدام.
مؤشرات عدة تدعم هذا الاحتمال، رغم الصعوبات. الضغوط الإنسانية الهائلة، والمخاوف الإقليمية من تداعيات الحرب، واهتراء القوى العسكرية للطرفين، كلها عوامل قد تدفع نحو التفاوض. كذلك هي الإرادة الشعبية السودانية التواقة إلى السلام والخلاص من دوامة الدماء، يمكن أن تشكّل قوة ضغط حقيقية على الأطراف المتصارعة.
مع ذلك، لن تكون طريق السلام سهلة. فالتسوية السياسية ستتطلب تنازلات مؤلمة من الطرفين، وإرادة صلبة لضمان تنفيذ أيّ اتفاق يتمّ التوصل إليه، كما أن تجاوز مشاعر الانتقام، وإعادة بناء الثقة، سيكونان من أعقد تحدّيات المرحلة الانتقالية.
الرهان الأكبر اليوم هو على إدراك الأطراف أن استمرار الحرب لم يعد خياراً. فالسودان يقف على حافة الانهيار الكامل، وأيّ تأخير في إنهاء القتال سيعني غرقاً أعمق في الفوضى، ليس فقط داخلياً بل إقليمياً أيضاً. ولذا، فإن الوصول إلى حلّ سياسي شامل وعادل لم يعد ترفاً، بل صار مسألة حياة أو موت للدولة السودانية.
لا يمكن إنكار أن ليل السودان الحالي حالكٌ وطويل. لكنه في أحلك لحظات الليل، يولد فجر جديد... إذا أدرك السودانيون أن لا منتصر في هذه الحرب سوى الخراب. قد لا تحمل الشهور المقبلة معجزة إنهاء الحرب فوراً، لكن حتمية السلام تبدو أوضح من أي وقت مضى. فالتاريخ يعلمنا أن أقسى الحروب تنتهي حين تنهك الأطراف المتحاربة، ويصبح ثمن الاستمرار فيها أكبر من أي مكسب محتمل. والسودان، بتاريخه وثقافته العميقة، لا يستحق أن يبقى رهينة لحرب عبثية لا منتصر فيها. لعل دروس الألم القاسي تُفضي إلى بزوغ فجر جديد، حيث تضع الحرب أوزارها أخيراً، ويبدأ السودانيون رحلة شاقة ولكن ضرورية نحو التعافي والبناء.