تتطلب زيارة الرئيس دونالد ترامب إلى السعودية والإمارات وقطر الشهر المقبل قيام فريق ترامب والرئيس نفسه بقراءة معمّقة لدينامية عقيدة كل من الجمهورية الإسلامية الإيرانية (الشيعية) ومجموعة الإخوان المسلمين (السنّية) وطموحاتهما الإقليمية. الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما دعم الاثنين معاً بالرغم من تطرفهما الديني والسياسي ومشاريع كل منهما التوسعية في منطقة الشرق الأوسط. سيشهد التاريخ لباراك أوباما أنه أساء التقدير والإدارة، ففشل وأفشل واستثمر في صنع الأصولية المتطرفة، الإسلامية منها في مصر وتركيا وليبيا وغيرها، واليهودية منها في إسرائيل.
ليس باراك أوباما أول رئيس أميركي يستثمر في الأصولية الإسلامية، فالتاريخ حافل بلعب الولايات المتحدة الأميركية على أوتار تحريض العداء السنّي- الشيعي وتبنّي التطرّف اليهودي. لعلّ عام 1979 محطّة بارزة ومميزة حين دعمت الولايات المتحدة الأصولية الشيعية في إيران والأصولية السنّية في أفغانستان- والنتيجة واضحة بعد مرور 45 سنة على ذلك الاستثمار. فإذا كان الرئيس دونالد ترامب ينوي حقاً فتح صفحة جديدة على السياسات والاستثمارات الأميركية وعلى علاقات الولايات المتحدة بدول الشرق الأوسط، لا مناص من مراجعة جديّة لإفرازات ما فعلته الإدارات الأميركية السابقة تشجيعاً للأصولية الإسلامية واليهودية في الشرق الأوسط، بدعم من الأصولية المسيحية، ولا بدّ من إصلاح جدّي.
باختصار شديد، تتلاقى اليوم الأصولية اليهودية مع الأصولية السنيّة في محطة الأردن حيث تريد إسرائيل تنفيذ حلمها التوراتي بأن يكون الأردن هو الوطن الفلسطيني البديل، وحيث تسعى مجموعة الإخوان المسلمين وراء الإطاحة بالعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني لتتحكّم بالأردن- كمحطة- أساسية في مشروعها الإقليمي تتعافى فيها من خسارتها الكبرى في مصر.
إسرائيل ومجموعة الإخوان المسلمين تلبّيان بعضهما بعضاً في الأردن. ومن الضروري لفريق ترامب وللرئيس نفسه ألّا يقعا في فخّ فرض الأمر الواقع أو في مصيدة التبسيط الجاهل للأمور.
خطأ فادح ترتكبه إدارة ترامب إذا سمحت لإسرائيل بإجراءات تؤدي إلى تحويل الأردن إلى وطن بديل للفلسطينيين من خلال التهجير القسري للفلسطينيين من الضفة الغربية وتوسيع الاستيطان الإسرائيلي. الاستغناء الأميركي عن حليف قوي مثل الملك عبدالله خطأ استراتيجي ينطوي على تشجيع للانقلاب على الحكم الملكي في منطقة الخليج بالرغم من رؤيويته ونجاحه مقارنة بالحكم الجمهوري في الشرق الأوسط.
حان الوقت للرئيس ترامب وفريقه للتفكير بصورة جغرافية- سياسية بدلاً من مجرد اقتصادية وشخصية في العلاقات مع دول الشرق الأوسط.
إسرائيل تستخدم الإخوان المسلمين لتحقيق غاياتها في الأردن، كما في مصر، وأبعد. هذا ليس في المصلحة الأميركية. نعرف أن دونالد ترامب ملتزم بتلبية إسرائيل، لكن دونالد ترامب أكثر التزاماً بتلبية أميركا أولاً، ولذلك على فريقه إبراز خطر استخدام إسرائيل الإخوان المسلمين لترحيلهم من غزة إلى مصر حيث سبق لباراك أوباما أن تحالف معهم للإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك- حليف أميركا وضحية سيرة الاستغناء والخيانة الأميركية.
ليس في المصلحة الأميركية تشجيع صعود الإخوان المسلمين مجدداً في مصر بل إنّ توغلهم في الدول الأفريقية العربية مرعب، بالذات في ليبيا حيث باتت الدولة الفاشلة أرضاً خصبة لنمو الإرهاب في القارة الأفريقية وعلى عتبة البحر المتوسط والقارة الأوروبية. ليس من الحكمة التفكير السخيف ضمن معادلة دعم تطرّف الإخوان المسلمين السنّي لمواجهة التطرف الشيعي الذي تمثله الجمهورية الإسلامية في إيران.
المصلحة الأميركية تقتضي أن يقوم فريق ترامب برسم استراتيجية متكاملة حول هذه المسألة ويضعها أمام الرئيس ترامب كي يتمكن من وضع بصماتٍ بعيدة المدى على أفكاره نحو الشرق الأوسط، بدلاً من الوقوع في أخطاء شخصنة منطقة بهذا القدر من العِقَد والتاريخ والأجندات الخبيثة.
لا يكفي أن يضع فريق ترامب ورقة خيارات سياسية آنية أمامه قبل توجّهه إلى الدول الخليجية العربية في غضون ثلاثة أسابيع. التطرّق إلى موضوع إيران يجب ألّا يقتصر على الصفقة النووية حتى لو كانت تنطوي على تنازلات كبرى في مجال تخصيب اليورانيوم، لأنّ الطرد المركزي هو الأساس، وبالتالي، من الضروري تجنّب إبراز التنازلات الرنّانة للاحتفاء بإنجازات سطحية.
تأجيل البحث في سلوك إيران الإقليمي حتى مرحلة لاحقة فيه مجازفة خطيرة لأنّه سيبدو إقحاماً على ما تمّ الاتفاق عليه نووياً. الأجدى بفريق دونالد ترامب أن يكون واضحاً منذ البداية ليبيّن لكلّ من طهران والعالم أنّه لن يكرّر ما فعله باراك أوباما ويرضخ للشروط الإيرانية بعدم التطرّق لبحث عقيدة الوكلاء على نسق دعم وتمويل وتسليح "حزب الله" في لبنان، مثلاً.
فهذا الغموض، وتجنب التصريح الواضح بالموقف الأميركي الذي يحمّل إيران مسؤولية الوكلاء والميليشيات، قد شجّع "حزب الله" على المكابرة وربما يؤدي إلى إفشال "حزب الله" لجهود الدولة اللبنانية الرامية إلى حصر السلاح بيدها. هذا الغموض، يرافقه ذلك الحوار الذي يريده رئيس الجمهورية مع "حزب الله"، يهدّد مسيرة لبنان نحو التعافي، كما يعرّض الجهود الأميركية المبذولة لانتكاسة جديّة بتداعيات مضرّة جداً للبنان.
لا يكفي أن تتضمن الورقة، الذي يعدّها فريق ترامب له قبيل زيارته الأولى في رئاسته الثانية إلى السعودية والإمارات وقطر، مكوّنات أساسية هي بيع السلاح بمئات المليارات، التأثير في أسعار النفط، البحث في مصير غزة والمفاوضات الأميركية- الإيرانية الجارية.
يجب على الفريق إبراز معنى التزام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعقيدة النظام الحاكم والتي لا يبدو رجال النظام جاهزين لتعديلها. أي العقيدة النووية، وعقيدة استخدام الوكلاء والميليشيات للتدخّل في دولٍ مثل العراق ولبنان واليمن، وإذا أمكن استئناف التدخّل في سوريا التي خسرتها إيران. يجب طرح السؤال الاستراتيجي: ما العمل أمام تمسّك رجال النظام بعقيدة قوامها التطرّف والتدخّل والدوس على سيادة دول المنطقة؟
الرئيس الأميركي يريد أن يرى تحقيق إنجازات ملموسة في ملفّي المفاوضات مع إيران والمفاوضات بين روسيا وأوكرانيا لإنهاء الحرب هناك. يريد ذلك قبل توجهه إلى السعودية.
يضغط الرئيس ترامب ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف على روسيا بالذات كي تعمل نحو إنجاز في ملف أوكرانيا لأنه يريد أن يتمكن من اللقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في السعودية تتويجاً للاختراق. حتى الآن، لا اختراق ولا انهيار في الجهود الأميركية. دونالد ترامب يريد نتائج مرئية وملموسة عنوانها الأساسي: وقف الحرب في أوكرانيا. تفاصيل الاتفاق يمكن أن تأتي لاحقاً. المهم بالنسبة إليه عنوان: أوقفتُ الحرب.
كما في المحادثات مع إيران، كذلك في المفاوضات على مصير أوكرانيا، يفرض دونالد ترامب الإطار الزمني للإنجاز، وإلّا يهدد بالانسحاب من بذل الجهود بكلّ تداعياتها. فإذا قفز من قطار الوساطة، يدفع الطرف الآخر الثمن. طروحاته في شأن أوكرانيا أثارت حفيظة القيادة الأوكرانية والقيادات الأوروبية بالذات لجهة مباركته ضمّ روسيا للقرم وبقائها في مواقع أخرى داخل أوكرانيا. لكن المؤشرات الديبلوماسية تفيد بأن العمل جارٍ على صيغة حلّ وسط بحيث تكون القرم "تحت سيطرة" روسيا وليس "جزءاً" من روسيا، وبحيث يوافق حلف شمال الأطلسي على لغة خلاصتها أنّ عضوية أوكرانيا في الناتو "ليست على الأجندة حالياً"، تجنّباً لكلمة "إطلاقاً".
هناك بالتأكيد بعدٌ تاريخي وشخصي يعيق التوصّل إلى قفزة نوعية في علاقة القيادة الروسية بأوكرانيا وبقيادتها. إنما هذا يختلف عن التحديات التي على ترامب وفريقه التدقيق فيها عندما يتعلق الأمر بإيران وإسرائيل وتركيا ومصر والدول الخليجية والمشرق العربي كما المغرب العربي. عنوان التحدّي هو الأصولية.
دونالد ترامب معجب بالرئيس التركي رجب طيّب أردوغان الذي يقول عنه إنّه حقّق إنجازاً تاريخياً في سوريا. حسناً. إنّما على فريق ترامب أن يبقي عيناً يقِظة على علاقة أردوغان بحركة الإخوان المسلمين وبنواياه توظيف هذه المجموعة لخدمة نفوذ تركيا في الشرق الأوسط. هذا يذكّر بالنوايا الإيرانية وراء استخدامها وكلائها لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط. تركيا تتربّع على طموحات قيادة سنيّة، وإيران على عرش القيادة الشيعية.
الرئيس الأميركي ملتزم بدعم بنيامين نتنياهو طالما هو رئيس وزراء إسرائيل ولن يتخلى عن دعمه القاطع لإسرائيل مهما فعلت. فإسرائيل كذلك هي صاحبة مشروعٍ توسّعي قبيح لأنها جشعة لا تكتفي بحدودٍ لها وإنما متأهبة لابتلاع قطاع غزة بلا أهلها والضفة الغربية بعد تنظيفها من الفلسطينيين. الأصولية اليهودية لا تكتفي بالتأثير عبر الوكلاء، كما إيران وتركيا. إنها أصولية متطرّفة بامتياز تضرب القانون الدولي والأخلاقي عرض الحائط بعنصرية وبثقة بالحماية الأميركية من المحاسبة.
العنجهية هي إحدى القواسم المشتركة بين الأصوليات الثلاث وأربابها. هذه العنجهية يغذّيها الآن الانطباع بأنّ الرئيس دونالد ترامب معجب بطموحات أردوغان العثمانية الهوى، وبغايات إسرائيل التوراتية القائمة على قضم الأراضي الفلسطينية، وبقدرات الفرس على فنّ الحياكة السياسية. ثم أنّ دونالد ترامب نفسه يتباهى بعنجهيّته بغرور.
إنّما الأمر أعمق بكثير، ومن الضروري لفريق ترامب أن يفكّر باستراتيجية وأن يضع استراتيجية تأخذ مساوئ الأصولية بجديّة وتفكّر بطرق احتوائها على المدى البعيد.
معادلة أ- أ تبقى الأكثر خطورة لأنّ إيران لن تتردّد في توجيه ضربات عسكرية ضدّ إسرائيل، استباقية أو انتقامية، إذا فشلت المفاوضات مع إدارة ترامب أو إذا قررت إسرائيل القفز عليها وشنّ ضربات ضدّ المنشآت النووية الإيرانية. التأهّب والاستعدادات العسكرية ترافق المباحثات الأميركية- الإيرانية.
إيران توجّهت إلى الصين وروسيا لتكون المظلة لها وكذلك حزام الأمان في مفاوضاتها النووية مع إدارة ترامب. الصين وعدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما قال مديرها العام رافاييل غروسي، بأنّها ملتزمة بعدم السماح لإيران أن تتحوّل إلى دولة نووية عسكرية. روسيا وعدت إيران بأنّها ستدعمها في عدم "إثقال" المفاوضات النووية بشؤون أخرى مثل عقيدة الوكلاء والميليشيات، ثمّ وقّع بوتين على إجراءات تفعيل الاتفاقية الاستراتيجية بين روسيا وإيران.
وزير خارجية طهران توجّه أيضاً إلى أوروبا مناشداً لها إحياء دورها كما كان، عند التفاوض على الاتفاقية النووية JCPOA وذلك اقتناعاً منه بأنّ أوروبا ستبقى في المنطقة الرمادية في الوقت الحاضر، لكنّها سترضخ للمطالب الإيرانية بفصل السلوك الإقليمي عن الملفّ النووي كما سبق وفعلت. طهران تراهن أيضاً على استعداد أوروبا لإيذاء دونالد ترامب انتقاماً منه بسبب استبعاده لها في ملفّ أوكرانيا وبسبب حرب الرسوم الجمركية عليها.
الديبلوماسية العربية لافتة سيّما وأنّ عمان هي وسيط المفاوضات الأميركية- الإيرانية. عمان حريصة على إنجاح المفاوضات وهي تيسّر المحادثات. إنّما من الضروري لعمان، الدولة العربية العريقة، ألّا تبدو أنّها تغطّي على رغبة إيران بالتملّص من استحقاقات تدخلاتها في الدول العربية عبر الوكلاء والميليشيات، من العراق إلى لبنان إلى اليمن.
الديبلوماسية السعودية تتبنّى موقعاً قيادياً في توفير مساحة التفاوض والتفاهم بين الدول الكبرى وليس فقط على الشؤون الإقليمية. هذا لا يعني التسامح مع توجهات أوروبية لتكرار ما فعله الأوروبيون عندما تحالفوا مع باراك أوباما وكانت النتيجة مدوية في آثار تدخّل إيران في شؤون الدول العربية عبر الوكلاء إلى حين هزيمتها في سوريا وقيام إسرائيل بشلّ الذراع الأقوى لإيران.
لا بدّ أن تكون الديبلوماسية الخليجية تبذل جهداً كبيراً، بهدوء ووراء الكواليس، لتنوِّر إدارة ترامب حول حيثيات المنطقة كي تكون زيارة الرئيس الأميركي مثمرة وذات بُعد رؤيوي مستقبلي، بدلاً من الوقوع بين دهاليز الأصولية المتطرّفة.