.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في خضم لعبة عض الأصابع بين رونين بار مدير وكالة الأمن الإسرائيلية (شين بيت) وبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء التي تكاد تبلغ ذروتها، تندّر المفكر السلوفيني سلافوي جيجك، في مقابلة أخيرة متسائلاً: "هل تعلم أن قادة المؤسسات الأمنية هم الأقل تطرفاً في إسرائيل اليوم؟".
ما لم يقله الفيلسوف المعروف هو أن حماة السلطة في الأنظمة الديكتاتورية، ضباط الاستخبارات والجيش، يمكن أن يكونوا أيضاً الخصم اللدود للحاكم إذا تجاهل القانون، في الديموقراطيات. هذا ما يبدو عليه الحال في اشتباك بار مع نتنياهو الراغب في الانفراد بالسلطة وطرد المشاكسين منها، مثل يوآف غالانت وزير الدفاع السابق.
تذهب دلالات المواجهة إلى أبعد من اللحظة الراهنة في عمر إسرائيل ونظامها "الديموقراطي." فشين بيت معنية بالحفاظ على الأمن الداخلي، وصون "الديموقراطية" في إسرائيل، ومكافحة التجسس. وقد وقف مديرها ضد ما يسمى "الإصلاحات القضائية" المثيرة للجدل قبل نحو عامين. وبعد اعترافه بمسؤولية أساسية عن فشل بلاده في إحباط هجمات "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول /أكتوبر 2023، عارض رئيس الوزراء في ثلاث مناسبات حاسمة.
فقد طالب بفتح تحقيق في أسباب الفشل بإحباط الهجمات رغم ممانعة نتنياهو الذي يقول منتقدوه إنه يتحمل حصة الأسد من المسؤولية بحكم منصبه. وأجرى بار تحقيقاً بفضيحة "قطر غيت" التي تتصل بتلقي عدد من كبار مساعدي رئيس الوزراء "مكافآت" كبيرة من الدوحة، لا يستبعد أن يكون هو قد استفاد منها! ووجه مدير شين بيت انتقادات لـ"إرهاب" المستوطنين وللشرطة التي تركت لهم الحبل على غاربه للاعتداء على الفلسطينيين. وهو بذلك يستهدف سياسات الاستيطان، إلى جانب ايتمار بن غفير وزير الأمن الوطني الحريص على تشجيع المستوطنين على ممارسة الإرهاب. فهل يغفر نتنياهو لقائد أمني كبير إثارة هذه القضايا التي ربما أدت أي منها لإزاحته من منصب يستميت سلفاً للتشبث به؟
اللافت في الإقالة التي لم تشهد إسرائيل مثلها في تاريخها هو أن رئيس الوزراء بررها بفقدانه "الثقة" بمدير "شين بيت". وإبعاد أولئك الذين لا يثق الزعيم المنتخب بولائهم له شخصياً يجعله نسخة أخرى من دونالد ترامب، كما يرى معلقون. والأرجح أن سلوك سيد البيت الأبيض مع الموظفين الصغار والكبار ورجال القانون في أميركا قد شجع نتنياهو وغيره من الزعماء "الديموقراطيين"، كالمجري فيكتور أوربان، على مهاجمة كل من تسول له نفسه عدم الرضوخ لرغباتهم الشخصية.
تجربة بار، تعيد إلى البال عملية طرد ترامب جيمس كومي مدير "مكتب التحقيقات الفيدرالي" (أف بي آي) في 2017 الذي كان يحقق في احتمال تدخل موسكو لترجيح كفة ترامب في انتخابات 2016 ما أفقده ثقة الرئيس بولائه!
صحيح أن بار وكومي مدنيان قادا مؤسستين لهما طابع عسكري. لكن كان لعسكريين كبار مواجهات مشهودة مع رؤساء منتخبين. مثلاً وزير الدفاع الأميركي الأسبق مارك إسبر أفاد بأنه اعترض على أوامر ترامب بإرسال 10 آلاف جندي لمواجهة المتظاهرين في أعقاب جريمة قتل جورج فلويد. وأيده في ذلك الجنرال مارك ميللي رئيس هيئة الأركان المشتركة الذي نسب إليه التأكيد لنظيره الصيني بأنه لن يسمح لترامب باستعمال أسلحة نووية ضد الصين بصرف النظر عن رغبة الرئيس!
هكذا نجح عسكريون كبار، كإسبر وميللي، في تخليص أنظمة ديموقراطية من تداعيات قرارات "ديكتاتورية" تمثل انتهاكاً للقانون. كما تمكن صغار الضباط الكوريين الجنوبيين من إجهاض محاولة رئيس الوزراء لاستغلال السلطة للبقاء في منصبه. وكان كلاهما أوفر حظاً من الجنرال البريطاني مايكل روز قائد قوات النخبة (إس أ إس) الذي سعى إلى تجريد توني بلير من صلاحياته لكونه جرّ البلاد إلى المشاركة في غزو العراق.
لا شك أن تاريخنا العربي المعاصر، يغص بالأمثلة على قسوة الجنرالات وخدماتهم النفيسة لهذا الديكتاتور أو ذاك. لكن الديموقراطيات تتمتع بحماية القانون والعسكر اللذين قد يعانيان من الضعف، لكنهما لا يموتان!
وكما انتصر العسكريون الكوريون الجنوبيون، ثمة تساؤلات عن احتمالات فوز بار في معركته مع نتنياهو إذا ثبُت أن هدفه هو فعلاً حماية القانون من عبث حاكم يجنح للتطرف، ولا سيما بعدما فضح أوامر رئيس الوزراء له بإطاعته هو وليس المحكمة العليا، وهي تعليمات تمثل مخالفة خطيرة للدستور.