مأساة المزونة قي تونس

كتاب النهار 23-04-2025 | 01:08
مأساة المزونة قي تونس
يأمل الكثيرون أن تكون حادثة انهيار الجدران الخارجية لمدرسة المزونة قد نبهت أصحاب القرار في تونس إلى أن البيروقراطية القاتلة لا تزال تشكل عائقاً أمام التطور الذي ينشده التونسيون...
مأساة المزونة قي تونس
إشعال الإطارات احتجاجاً في المزونة (أ ف ب)
Smaller Bigger

اهتز التونسيون الأسبوع الماضي لمقتل ثلاثة من طلبة المدارس كانوا يستعدون لإجراء اختبارات الرياضة ضمن امتحانات الثانوية العامة في بلدة المزونة، وهي بلدة صغيرة في محافظة سيدي بوزيد جنوب البلاد، لما انهار على رؤوسهم الجدار الخارجي للمعهد الذي يدرسون فيه فأرداهم قتلى وأصاب طالبين آخرين.

أثارت الحادثة المؤلمة موجة من الاحتجاجات بين مواطني المنطقة الذين خرجوا إلى الشوارع للتعبير عن ألمهم بعد المأساة، والاحتجاج على مظاهر الإهمال التي يرون أنها تسببت بالحادثة. تعالت أيضاً الأصوات مطالبة بالتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها. وبالفعل فتح القضاء تحقيقاً في الموضوع، وكان من أولى إجراءاته إيقاف مدير المدرسة التي سقطت جدرانها الخارجية على التلاميذ، ولكنه سرعان ما أطلق بعدما اتضح للجميع أنه كان نبه رؤساءه كتابياً منذ سنة 2022 إلى خطر انهيار الجدران. كما اكتشف كثيرون أن جهات أخرى حذرت أيضاً من احتمال حصول الحادثة من دون أن يحرك أحد ساكناً.

سوف يواصل القضاء تحقيقاته، وكذلك ستفعل وزارة التربية، ولكن التحقيقات بأنواعها لن تشمل الأسباب العميقة لمثل هذه الكوارث وبينها دور البيروقراطية الإدارية التي تجعل تنبيهاً موجهاً من مدير مدرسة إلى رؤسائه يبقى بلا متابعة، رغم أن الأمر يتعلق بسلامة أطفال أبرياء.

أظهرت الحادثة سريالية المسار الذي ينبغي أن يستكمله أي طلب لإصلاح بناية مدرسية متهالكة، إذ يمر الطلب من مدير المدرسة إلى الإدارة الجهوية التي تشكل لجنة فنية لدراسة الطلب وإعداد تقرير حوله من أجل إبلاغه إلى وزارة التربية وربما أيضاً إلى وزارة التجهيز. بعد ذلك يتم إعداد كراس شروط ويعرض الملف على لجنة الصفقات العمومية من أجل اختيار شركات المقاولات التي تتولى الإنجاز. مكاتبات تتبع مكاتبات في نطاق تراتيب إدارية لا أحد يتجرأ على تجاوزها، فالاجتهاد ليس من شيم الإدارات الحكومية التي تجعل استيفاء الشروط الإدارية أحياناً أهم من المصلحة العامة. وأظهرت الحادثة أيضاً أن اتخاذ القرارات يتم في نطاق مركزية مفرطة لا تترك للمسؤول المحلي أي هامش للمبادرة. وأظهرت أيضاً أن الحديث عن إصلاح الإدارة ورقمنتها منذ سنوات وعقود هو مجرد شعارات للإيحاء أن تقدماً ما يحدث، فيما لا تزال القوانين البالية تعطل مصالح المواطنين كما تكبل الموظفين وتجعل هاجس التتبع القضائي يثنيهم عن اتخاذ أي قرار قد يؤاخذون عليه لاحقاً.