.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، ظل السلام بين مصر وإسرائيل أقرب إلى هدنة استراتيجية منه إلى شراكة حقيقية. لم يكن دفئاً في العلاقات بقدر ما كان حالة من التعايش الحذر، تحكمه الضرورة لا الثقة. لكن الحرب الدامية في غزة، التي اندلعت في تشرين الأول / أكتوبر 2023، كشفت هشاشة هذا التوازن، ودفعت العلاقة بين القاهرة وتل أبيب إلى مرحلة جديدة من التوتر الصامت الذي يهدد أسس السلام القائم منذ أكثر من أربعة عقود.
في الكواليس، تتبادل الدولتان اتهامات غير مسبوقة: إسرائيل تدّعي أن مصر تجاوزت ما تسمح به الاتفاقية من انتشار عسكري في سيناء، وتشير إلى بناء قواعد جوية، ومستودعات ذخيرة ووقود، وتحصينات مضادة للدروع، بل وأنفاق تحت قناة السويس. أما القاهرة، فترد بأن كل تلك التحركات أجريت بتنسيق مسبق مع الجانب الإسرائيلي، وهي ضرورات تفرضها مقتضيات الأمن القومي المصري، لا استعداداً لمواجهة إسرائيل.
لفهم جذور هذه الأزمة، لا بد من العودة إلى التحديات الأمنية التي واجهتها مصر خلال العقد الماضي. في سيناء، خاض الجيش المصري معارك ضارية ضد تنظيمات إرهابية اعتمدت في تمويلها وتسليحها على الأنفاق الممتدة من غزة. وفي الغرب، سمح الفراغ الأمني في ليبيا بتهريب الأسلحة إلى الداخل المصري. أما في الجنوب، فظلت الحدود مع السودان مصدراً للتوتر نتيجة شبكات التهريب والنشاطات المسلحة. أمام هذا الواقع المعقد، كان لا بد لمصر من أن تعيد صوغ رؤيتها وأولوياتها الدفاعية، وتعزز حضورها العسكري على مختلف الجبهات.
الوجود العسكري المصري في سيناء إذاً لم يكن موجهاً ضد إسرائيل، بل جاء استجابة لتحديات أمنية حقيقية. ومن ضمن تحركاتها، طوّرت القاهرة قاعدة سيدي براني الجوية، وأنشأت قاعدة بحرية متقدمة قرب الحدود الليبية، ورفعت مستوى الجاهزية في الشرق. تزامن هذا مع تحديث واسع للقدرات العسكرية خلال فترة حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، خصوصاً في ولايته الثانية، بحيث ضمّت مصر إلى ترسانتها مقاتلات "رافال" الفرنسية، وغواصات وفرقاطات ألمانية، وأنظمة بحرية إيطالية، وحاملات مروحيات روسية، إضافة إلى مناورات سنوية مشتركة مع قوات أميركية وأوروبية.
لكن القاهرة لا تعرض هذه القدرات بصفتها أدوات هجومية، بل كأدوات دعم لنفوذها الإقليمي، ومكونات لسياسة ردع لا تتعارض مع السلام. وقد عبّر الرئيس السيسي مراراً عن التزامه الثابت اتفاقية كامب ديفيد، وآخرها في قمة الجامعة العربية في نيسان /أبريل 2025، حين وصف المعاهدة بأنها نموذج لتحويل الحرب إلى شراكة ديبلوماسية.
رغم ذلك، تتعامل إسرائيل مع هذا التحول بحذر مزدوج: على المستوى الاستراتيجي، تخشى أن تتحول البنية العسكرية المصرية الدائمة في سيناء إلى تهديد محتمل في حال تغيّرت الظروف السياسية. وعلى المستوى السياسي، يرى كثيرون أن إثارة هذا الملف يخدم هدفاً آخر، وهو صرف الأنظار عن الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل في غزة ورفح، وتقديم نفسها طرفاً ملتزماً الاتفاق، بينما تلقي اللوم على مصر.
مصر ردّت بهدوء وحكمة، مؤكدة أن التزامها المعاهدة لم يتغير، وأن من ينتهكها فعلياً هو الجانب الإسرائيلي، بخاصة مع نشر قواته في ممر فيلادلفيا، في خرق واضح للاتفاق.
تُدرك مصر أن إسرائيل تحاول دفعها نحو صدام جانبي في وقت بالغ الحساسية. ولهذا، تُركّز جهودها على منع التهجير القسري للفلسطينيين من غزة، وتكثف تحركاتها الديبلوماسية لاحتواء التصعيد على الساحة الدولية.
ورغم أن أحداً لا يبدو مستعداً اليوم للانسحاب من معاهدة السلام، فإن المؤشرات على التوتر تزداد وضوحاً. مصر خفّضت مستوى تمثيلها الديبلوماسي في تل أبيب، وارتفعت نبرة خطابها الرسمي حيال إسرائيل، منتقدة عملياتها في غزة والضفة الغربية وسوريا بشكل متكرر.
إننا لا نشهد أزمة علنية بين القاهرة وتل أبيب، بل ما يشبه صراع الإرادات تحت السطح. إسرائيل تسعى إلى تقييد قدرات مصر الدفاعية شرق قناة السويس، ومصر ترى أن أمنها القومي لا يمكن أن يُرهن بسلام مشروط. كلا الطرفين يُدرك أهمية استمرار الاتفاق، لكن كلّاً منهما يختبر حدود التسامح والتنازل.
السؤال اليوم لم يعد: هل سينهار السلام؟ بل هل يمكن أن يستمر من دون إعادة تعريف قواعده؟ الأشهر المقبلة وحدها ستُجيب عن ذلك، وسط حرب مشتعلة في غزة، وتحولات إقليمية عميقة، وتحالفات جديدة تتشكل بهدوء في ظلال الأزمة.