.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يكشف تأمل تصورات الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلطة وممارستها، عن مدى تأثره بفيلسوف السياسة في عصر النهضة الإيطالي نيكولو ميكيافيلي. يبدو ترامب رجل صفقات جشعاً وسطحياً ومعادياً للفكر والثقافة، لكن سلوكياته السياسية تعد تطبيقاً أميناً للأفكار الميكيافيلية؛ باعتبار السياسة فن القوة والبراغماتية، بعيداً من الأخلاق.
في كتابه "الأمير" لم يقدم ميكيافيلي دليلاً عملياً الى الحكام فحسب، بل رسم رؤية فلسفية للسياسة، كعالم قاس يحكمه الواقع لا الأحلام. أسس لفهم السلطة كغاية تبرر الوسيلة، و"من الأفضل أن يُخشى الحاكم من أن يُحب، إذا لم يستطع الجمع بينهما".
القوة والخوف هما أدوات الحكم الأكثر فعالية، شرط ألا تكون القوة "وحشية عمياء"، بل مزيجاً من الحظ والمهارة، ناصحاً الحاكم بأن يتكيف مع الظروف المتغيرة، مستخدماً الدهاء (كالثعلب) والقوة (كالأسد) حسب الحاجة.
عاش ميكيافيلي في فلورنسا الممزقة بالصراعات. رأى أن النجاح السياسي يتطلب التخلي عن الأخلاق، في سبيل الحفاظ على الاستقرار والسلطة. شكلت فلسفته السياسية "رؤية ثورية"، في عصر النهضة المملوء بالمثاليات الدينية، وهي لا تهدف إلى تمجيد الشر، بل تفكيك الأوهام حول السياسة. السؤال: هل نجد في أفعال ترامب تجسيداً لهذه الفلسفة؛ بحيث يمكننا أن نعتبره "أميراً" ميكيافيلياً؟
من اليسير أن نرى ظلال رؤى ميكيافيلي في سلوك ترامب، في تعامله مع خصومه بالداخل، أو في مواجهته للتحديات الخارجية. رجل أعمال تحول إلى زعيم سياسي. تتجلى مهارته في قدرته على استغلال اللحظة السياسية، كما فعل عندما حوّل الاستياء الشعبي من النخب إلى قوة انتخابية في ولايته الأولى، وكما جذب الحشود بخطاب شعبوي، يعتمد على البساطة والقوة، ففاز باكتساح في ولايته الثانية. اعتاد توظيف "التخويف" أداة سياسية، ضد خصومه داخلياً، مثل هجومه المتكرر على الديموقراطيين، أو في تعامله مع زعماء أجانب مثل زيلينسكي، وهو ما يؤتي ثماره غالباً!
ومن أبرز الخطوات التي يحتذي فيها ترامب بمعلمه غير المباشر ميكيافيلي، النظرة البراغماتية للعلاقات الدولية. ينصح ميكيافيلي الحاكم بأن يكون مرناً في تحالفاته، متخلياً عن وعوده إذا اقتضى الأمر. يجسد ترامب هذه الرؤية البراغماتية في سياسته الخارجية، الثابت الوحيد لديه أن تظل المصلحة الأميركية فوق كل شيء، وما دون ذلك قابل للتغيير.
تعيد السياسات الترامبية تعريف دور أميركا وموقعها في النظام العالمي، من قائدة للغرب إلى لاعب براغماتي، يركز على تحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية، مع تقليص التزاماته حيال الحلفاء.