مواجهة اليمين المتطرف بين أزمة العولمة وانحسار الدولة الوطنية

كتاب النهار 05-04-2025 | 06:14
مواجهة اليمين المتطرف بين أزمة العولمة وانحسار الدولة الوطنية
الأحكام والقرارات التي صدرت في أوروبا ضد زعماء اليمين المتطرف تذكّرنا بالمسار القضائي الطويل الذي قطعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد انتهاء ولايته الأولى...
مواجهة اليمين المتطرف بين أزمة العولمة وانحسار الدولة الوطنية
ما يحدث في فرنسا يحدث أعقد منه في رومانيا (أ ف ب)
Smaller Bigger

عرفت فرنسا قبل أيام زلزالاً سياسياً وقضائياً من خلال الحكم على زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن بالسجن أربع سنوات مع غرامات مالية، بالإضافة إلى منعها من الترشّح لرئاسة فرنسا لمدة خمس سنوات.

البعض اعتبر هذا الحكم بمثابة تصفية سياسية لزعيمة مزعجة بأدوات قانونية، بينما رأى آخرون أنه أمر عادي، وأن لا أحد فوق القانون. نظرية المؤامرة قد تكون مقبولة في سياق الصراع السياسي، لكن أن يتحول الأمر إلى التشكيك في القضاء في دولة مثل فرنسا، فهذا قد يكون أحد الأوجه الأكثر خطورة في هذا الموضوع، خصوصاً أن البعض يقول بأن مواجهة اليمين المتطرف يجب أن تكون في داخل المجتمع، وفي صناديق الاقتراع، بدل ردهات المحاكم والقرارات الإدارية. 

ما يحدث في فرنسا يحدث أعقد منه في رومانيا، إذ قررت هيئة الانتخابات المركزيّة في  رومانيا في التاسع من آذار / مارس الماضي منع المرشح اليميني المتطرف كالين جورجيسكو من الترشح في انتخابات الرئاسة، التي جرى إلغاء نتائجها في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وتقررت إعادتها في أيار/ مايو المقبل، علماً بأن جورجيسكو كان هو الفائز في الانتخابات الرئاسية الرومانية، التي جرت في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.

هذه الأحكام والقرارات التي صدرت في أوروبا ضد زعماء اليمين المتطرف، تذكّرنا بالمسار القضائيّ الطويل الذي قطعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد انتهاء ولايته الأولى، فبينما اعتقد الديموقراطيون أن ذلك سيدمّره سياسياً، كانت النتائج عكسية تماماً، حين استثمر ترامب مظلوميّته في النيل من مؤسسات الدولة العميقة وسط موجة تضامن يمينية واسعة. 

هذا الوضع يدخل في سياق ما يشهده العالم اليوم من تصاعد غير مسبوق لتيارات اليمين المتطرف، خصوصاً في الديموقراطيات الغربية، حيث تستغلّ هذه التيارات التغيرات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن العولمة، وانحسار دور الدولة الوطنية، وانعدام الثقة في المؤسسات التقليدية. ومع كلّ استحقاق انتخابي، تتجدّد المخاوف من نجاح هذه القوى في توسيع نفوذها، ممّا يطرح تحدّياً سياسياً عميقاً حول كيفيّة مواجهتها ضمن الأطر الديموقراطيّة.

قبل البحث عن سبل مواجهة هذا التيار بأدوات السياسة والديموقراطية، يجدر البحث عن الأسباب والعوامل التي تساهم في بروز وتصاعد شعبية هذا التيار.  مثال ذلك نجد كيف أثرت العولمة بشكل جذري على الاقتصادات الوطنية، إذ تسببت في تفكيك الصناعات المحلية في بعض الدول، مما أدى إلى تزايد معدلات البطالة في الأوساط العمالية وفقدان وظائف كانت تُعتبر آمنة لعقود. ومع صعود التقنيات الحديثة والذكاء الصناعي، تعمقت المخاوف من عدم القدرة على مواكبة هذه التحولات، مما خلق شعوراً عاماً بعدم الاستقرار الاقتصادي. وقد استغلّت تيارات اليمين المتطرف هذا القلق المتنامي، عبر تقديم تفسيرات مبسّطة تُحمّل المهاجرين أو المؤسّسات الدوليّة مسؤولية هذه الأوضاع، في حين أن المشكلات الحقيقية أكثر تعقيداً وترتبط ببنية الاقتصاد العالمي.

 التحدّيات الاقتصادية لم تكن وحدها هي التي زادت من شعبية اليمين المتطرف، بل التحولات السياسية أيضاً التي أضعفت مفهوم السيادة الوطنية، مع تزايد قوة المنظمات والاتحادات الإقليمية مثل الاتحاد الأوروبي، وتوسُّع نفوذ الشركات متعددة الجنسيات، وبعدها شركات التكنولوجيا العملاقة، فبات المواطنون يشعرون بأن حكوماتهم فقدت القدرة على اتّخاذ قرارات مستقلّة لصالح شعوبها. وقد استغلّ الخطاب القوميّ المتطرّف هذا الشعور، مقدّماً نفسه كبديل قادر على استرجاع "السيادة" من خلال سياسات انعزالية ورفض للمؤسّسات فوق الوطنية.

إنّ التصدّي لليمين المتطرف في صناديق الاقتراع لا يمكن أن يعتمد فقط على التنديد الأخلاقي أو التحذير من خطورته، بل يتطلّب سياسات واستراتيجيات واضحة تعالج المشكلات التي تغذّي صعوده، مثل إعادة صياغة السياسات الاقتصادية التي تضمن عدالة اجتماعية حقيقية، مثل إصلاح سوق العمل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتعزيز المواطنة الجامعة والمساواة بعيداً عن النزعة القومية الضيقة، إضافة إلى ضرورة الاعتراف بالحاجة إلى إصلاح النظام السياسي وبناء الثقة في ظلّ تزايد الشكوك في الديموقراطية التقليدية، خصوصاً بين الشباب والفئات المهمّشة. لكن عملية الإصلاح هذه لا يمكن أن تنجح من دون القدرة على التصدّي للتضليل الإعلامي، الذي توظّف فيه اليوم المنصّات الاجتماعية الكبرى التي يقودها متعاطفون مع التيارات اليمينية المتطرفة والشعبوية، مما يساعد على انتشار واسع للأخبار المضلّلة والدعاية المغرضة، وسط انحسار تأثير وسائل الإعلام التقليدية بما لذلك من انعكاس مباشر على شفافية نزاهة ما تفرزه صناديق الاقتراع. 

لذلك، فإن مواجهة اليمين المتطرف ليست مجرّد حسابات انتخابية، بل هي معركة طويلة للحفاظ على القيم الديموقراطية والتعددية والانفتاح، لأنّ المجتمعات التي تتجاهل هذا التحدّي قد تجد نفسها في مواجهة مستقبل سياسيّ أكثر اضطراباً، حيث تتحول الديموقراطية من أداة لحماية الحقوق إلى وسيلة لتقنين الإقصاء والتطرف.