.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
كما في كل عام كانت سهرات شهر رمضان مناسبة للتونسيين كي يكتشفوا عديد الإنتاجات التلفزيونية الجديدة. أحد أنجح هذه الأعمال مسلسل بعنوان "أريار القدام". وهي عبارة بالعامية التونسية تجمع ما بين العربية والفرنسية وتعني "تقدّم إلى الوراء".
كسر منتجو المسلسل احتكار القنوات التلفزيونية للبثّ بعرضهم لهذا العمل الكوميدي على منصّة "يوتيوب" على الإنترنت.
يروي المسلسل قصة شاب اسمه حلمي يتنقل في رحلة مفاجئة عبر الزمن من سنة 2025 إلى سنة 1991. استلهم المخرج بسام الحمراوي (وهو أيضاً الممثل الرئيسي وكاتب السيناريو) فكرة التنقل عبر الزمن من عديد الأعمال السينمائية الأخرى، ومنها ما أنتجته استوديوهات هوليوود. لكن الحمراوي وظّف الفكرة لتسليط الضوء بطريقته على التحوّلات التي شهدها المجتمع التونسي خلال العقود الأخيرة وعلى إشكاليّة حنين التونسيين إلى الماضي القريب.
تحمل الرحلة حلمي إلى حارته القديمة قبل أكثر من أربعين عاماً. هناك يجد أفراد عائلته، ويلتقي بأمه وأبيه وهما شابان لم يتزوجا بعد. يجد في الجلوس مع أفراد عائلته حول مائدة الطعام خلال شهر رمضان متعة تعكس افتقاد التونسيين اليوم لدفء العلاقات الأسرية، وهي علاقات ترهّلت خلال العقدين الماضيين بحكم التحوّلات التي حصلت في المجتمع، ومن جملتها ظهور الهاتف المحمول والمنصّات الإلكترونية التي جعلت كل فرد حبيس عالمه الخاص.
يجد بطل المسلسل من خلال عودته إلى عقود سابقة الفرصة سانحة للتعويض عن الوقت الجميل، الذي لم يقضه مع أمه التي رحلت عن الدنيا بسبب جائحة كورونا، ومع جدّه الذي توفي وهو طفل. لا يخوض المسلسل في السياسة، ولكنه يلمّح إلى المواجهة بين نظام حكم بن علي والإسلاميين سنة 1991، في إشارة منه إلى أن لكلّ عهد أزماته. كذلك يمعن في إبراز الممارسات الأمنية المجحفة بشكل هزليّ إلى حدّ الكاريكاتير.
في المقابل يثير المسلسل الشجون الاقتصادية للمتفرج التونسي بالعودة إلى فترة كانت فيها الأسعار أكثر رفقاً بالمواطن، وكانت كلّ المواد متوافرة في السوق. يشير المسلسل إلى تدهور الحالة النفسية للتونسيين من خلال أحد الشخوص الرئيسية، وهو اختصاصي في علم النفس، كاد يغلق عيادته لقلة الحرفاء سنة 1991 إلى أن التقى حلمي، الذي وعده بمستقبل واعد ينتظر اختصاصه بعد سنوات، إذ سيصبح الاكتئاب سمة سائدة في المجتمع. يبتعد مسلسل "أريار القدام" عن الحنين الساذج الذي يغفل عن هنات الماضي. فهو يظهر أن ظواهر الرشوة والعنف والهجرة غير النظامية والمخدرات كانت أيضاً موجودة في أوائل تسعينات القرن الماضي.
لا يكفي الطابع الطريف للمسلسل والأداء الجيد للممثلين لتفسير نسبة الإقبال المرتفعة على المشاهدة. عامل أساسي أدّى دوراً في جذب الجمهور هو حنين الكثير من التونسيين إلى فترات سابقة من تاريخهم، وتحديداً ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته. إدراكاً منه لذلك، لم يتوقف التلفزيون التونسي منذ سنوات عن إعادة بث العديد من الإنتاجات الفنية التي تعود لتلك الحقبة، ومن بينها مثلاً مسلسل "الخطاب عالباب" (إنتاج سنة 1996)، وسلسلة "شوفلي حل" (ابحث لي عن حلّ)، التي جرى عرضها لأوّل مرّة سنة 2005. ومنذ عقود، لا يزال المتفرّجون يتابعون بشغف كبير هذين المسلسلين القديمين رغم إعادة بثّ حلقاتهما مراراً.
قد يكون هذا الحنين مرتبطاً في الكثير من جوانبه بالخيبات التي واجهت المواطن التونسي خلال العشريتين الأخيرتين، وبالمطبّات التي رافقت عملية الانتقال السياسي والاقتصادي المتعثر بعد 2011. وفاقم ذلك الشعور بالأسف اضمحلال القيم التقليدية بعدما ضاعت في زحام السنين.
كلّ ذلك جعل الكثيرين يشعرون بأن البلاد كانت أكثر استقراراً وازدهاراً وأماناً قبل ذلك التاريخ. واللافت أن يشعر بهذا الحنين حتى الشباب الذي لم يعش فترة الثمانينات والتسعينات، إذ هو يستقي أحاسيسه من محيطه ومن عدم رضاه عن ظروفه اليوم.
رحلة الحنين إلى الماضي تحتوي بالتأكيد على الكثير من التهيّؤات التي لا علاقة لها بالواقع. فالمتفرج يميل لإعادة تصوره للماضي أثناء متابعته للأعمال الفنية القديمة، حتى وهو يعرف في قرارة نفسه أن الحياة في الثمانينات والتسعينات والعشرية التي تلتها كانت أيضاً مرهقة ومعقدة، لكنّه يفضّل أن يتخيّلها هادئة وبسيطة. يوفر الانتقال من خلال الأعمال الفنية إلى عقود خلت استراحة ولو وقتية من عناء الحاضر وإشكالياته.
لذلك، من الأكيد أن التونسي سوف يواصل رحلاته عبر الزمن إلى حين يستعيد توازناته التي أربكتها التحولات، ويعثر في الحاضر على مسوّغات الحلم والأمل.