هلال وعيد لكل دولة

كتاب النهار 02-04-2025 | 06:20
هلال وعيد لكل دولة
ما حدث هذا العام يعكس واقعاً أعمق: نحن لا نفتقر إلى الحساب، بل إلى الثقة. لا نفتقر إلى التلسكوبات، بل إلى التنسيق...
هلال وعيد لكل دولة
ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في “الرؤية” بمعناها المعرفي (أ ف ب)
Smaller Bigger

تمنينا أن عصر العلم والدقة الفلكية كفيل بأن يحسم ما يجب أن يكون محسوماً: هل وُلد الهلال؟ هل يمكن رؤيته؟ متى يبدأ العيد؟

لكننا استيقظنا فجر الأحد على المشهد المكرّر: دول تحتفل، ودول تصوم. دول ترفع تكبيرات العيد، وأخرى تواصل ترتيل ختم القرآن. قمر واحد في السماء، وأهلّة متنازعة على الأرض.

مرة أخرى، ينقسم المسلمون، لا بسبب منازل القمر وموقع الشمس فحسب، بل بسبب منازل القرار. السعودية ودول الخليج أعلنت أن الأحد 30 آذار/ مارس هو أول أيام عيد الفطر، بينما قالت مصر والأردن وتونس والجزائر وليبيا إن الأحد هو المتمّم لشهر رمضان، والعيد يوم الإثنين. وكأن كل طرف ينظر إلى سماء مختلفة، أو إلى قمر يُضيء فقط على من يعلنه.

والمفارقة أن العلم لم يكن يوماً أكثر دقة مما هو عليه اليوم. فمراكز فلك دولية أجمعت على استحالة رؤية الهلال مساء السبت، لا بالعين المجردة، ولا بالتلسكوبات، ولا حتى بأحدث تقنيات التصوير الفلكي. كان القمر قد دخل في مرحلة الاقتران، وشهدت أجزاء من العالم العربي كسوفاً جزئياً للشمس، مما يعني فلكياً أن الهلال لم يكن قد خرج بعد من رحم الظلّ. ومع ذلك، اعتمدت بعض الدول "الرؤية" وأعلنت العيد.

فهل الرؤية هنا حقيقة علميّة، أم سلطة سياسية؟ وهل إعلان العيد بات قراراً سيادياً أكثر منه توافقاً شرعياً؟

الحقيقة المؤلمة أن الخلاف لم يعد فقط بين فلكيين وفقهاء، بل بين دول ومؤسسات، بين تقاليد قديمة ووسائل علمية حديثة، بين من يرى الهلال وسيلة، ومن يراها غاية.

إن ما حدث هذا العام يعكس واقعاً أعمق: نحن لا نفتقر إلى الحساب، بل إلى الثقة. لا نفتقر إلى التلسكوبات، بل إلى التنسيق.

في العراق، تراجع ديوان الوقف السني عن إعلان العيد بعد ساعات قليلة من بيان سابق، وأحدث ذلك ارتباكاً واسعاً في الشارع العراقي. في سوريا، صدر بيانان متناقضان من القاضي الشرعي بشأن موعد العيد في ليلة واحدة. في لبنان، أفطر بعضهم وصام البعض الآخر. وفي بعض المساجد الأوروبية، أقيمت صلاة العيد والناس لا تزال تتحرّى الخبر من بلدانها الأصلية!

كل هذا لأننا لا نملك آلية موحدة، أو مرجعية علمية متفقاً عليها، أو حتى إرادة سياسية لتوحيد قرار يمكن –لو شئنا– أن يكون أبسط من كل هذه الفوضى.

الهلال الذي يفترض أن يكون علامة فرح ووحدة تحوّل إلى مرآة لشرخ أعمق؛ إلى سلاح رمزي يُشهر في وجه الخصوم، أو دليل على “الاستقلال”، وكأن اتباع دولة لرؤية دولة أخرى هو اعتراف بسيادتها. وقد رأينا في سنوات مضت كيف رفضت دول إعلان العيد فقط لأن الجهة التي سبقتها ليست على وفاق سياسي معها، حتى لو وافقها علم الفلك.

في المقابل، فإن المراهنة على “العين المجردة ”في زمن التلسكوبات، أصبحت نوعاً من التعصب للوسيلة لا للمقصد.