تأملات في أسباب ونتائج سياسات "تهميش الثقافة" في الإعلام الجزائري

كتاب النهار 01-04-2025 | 08:10
تأملات في أسباب ونتائج سياسات "تهميش الثقافة" في الإعلام الجزائري
تحولت وزارة الثقافة إلى مجرد أداة للتنشيط الثقافي الترفيهي بدلاً من اضطلاعها باشراك ذوي الخبرة
تأملات في أسباب ونتائج سياسات "تهميش الثقافة" في الإعلام الجزائري
جانب من مقر وزارة الثقافة الجزائرية
Smaller Bigger

خلال الأسبوع الأخير من شهر رمضان نظم عدد من الأكاديميين الجزائريين ندوة عن بعد للكاتب والناقد الجزائري الدكتور اليامين بن تومي الذي قدم عرضاً استشرافياً لما ينبغي أن يكون عليه المشروع الثقافي في الجزائر، ولقد كللت تلك الندوة المهمة بمناقشة ثرية أجمع فيها المتداخلون على أهمية اعتبار الثقافة الرافعة الحضارية التي ينبغي الرهان عليها لتطوير وتحديث المجتمع الجزائري.

وفي هذه الفترة الزمنية نفسها كشف وزير الاتصال الجزائري الدكتور محمد مزيان عن تنظيم وزارته ندوة قريباً ستدوم يوماً كاملاً وستكرس لتكوين الإعلاميين في مجال القيم المهنية ودورها في الدفاع عن الوطن، كما أشاد وزير الثقافة والفنون الجزائري زهير بللو، بالتطور الذي يشهده تسيير قطاع المسرح الجزائري أيضاً.

في هذا السياق يرى مراقبون متخصصون جزائريون في الشأن الثقافي والإعلامي أن هذه النشاطات والتحركات الثقافية والإعلامية الجارية تعكس أهمية البعد الثقافي في الجزائر وحاجة الإعلام الوطني إلى إيجاد نقاط التماس والترابط مع المشهد الثقافي من جهة، ومن جهة أخرى فإن هناك شبه اجماع أيضاً وبخاصة بين أوساط الشريحة المنتجة للثقافة والفنون أن قطاع الثقافة والاتصال لم يشهد منذ سنوات أي إقلاع معتبر وملموس يمكن أن يؤدي إلى بناء مشروع وطني متكامل للثقافة الوطنية.

كما لاحظ جزء من الفاعلين الإعلاميين أن قطاع الإعلام الجزائري بقي معزولاً عن الأحداث الثقافية على قلتها ولقد تسبب هذا في الخلق المتواصل للفجوة الفاصلة بين وسائل الإعلام الوطنية، وبخاصة المكتوبة منها، وبين الإنتاج الثقافي والفني ورموز الإبداع معاً.

ويلاحظ أن هذه الهوة الفاصلة ما فتئت تزداد اتساعاً منذ فصل وزارة الثقافة عن وزارة الاتصال (الإعلام). ولقد نتجت عدة ظواهر عن هذا الفصل منها، مثلاً، ضعف الموازنة التي كانت تخصصها الحكومة التنفيذية للقطاعين المندمجين، وغياب التنسيق الفعلي بينهما فضلاً عن تشتيت الجهود المتعلقة بالمتابعة الميدانية للفاعليات الإعلامية الثقافية والفنية والفكرية.

منذ إقرار هذا الفصل لم يتم تفعيل آليات وضع التشريعات المطلوبة من طرف البرلمان الجزائري وبالتنسيق مع الحكومة والمؤسسات والجمعيات الثقافية التابعة للمجتمع المدني، ونتيجة لذلك لم يتم ترسيم وشائج التنسيق المحكم والدائم بين وزارة الثقافة ووزارة الإعلام. إلى جانب هذا لم يحصل أي تطبيق عملي لمخرجات ملفي السياسة الإعلامية والسياسة الثقافية الذين قد تم وضعهما من طرف رئاسة الجمهورية ولجنة الثقافة والإعلام والتربية التي كانت تابعة للجنة المركزية والأمانة الدائمة لحزب جبهة التحرير الوطني.

ويلاحظ مراقبون جزائريون متخصصون في الشأن الثقافي أن الفراغ الناتج عن انعدام تحديث وتحيين وتفعيل هذين الملفين فضلاً عن عدم وضع التشريعات الثقافية، واعتبار وزارة الثقافة مؤسسة سيادية قد لعبت مجتمعة دوراً سلبياً أدى إلى تحويل وزارة الثقافة إلى مجرد أداة للتنشيط الثقافي الترفيهي بدلاً من اضطلاعها، بإشراك ذوي الخبرة، بالإشراف على ابتكار السياسة الثقافية الوطنية وتنفيذها سعياً لخلق المناخ الثقافي والفكري عبر الوطن. ولقد أدى هذا الوضع أيضاً إلى جعل وزارة الاتصال تختزل مهمتها في الغالب في الجانب السياسي المناسباتي، وجراء ذلك غاب عن نشاطها الاهتمام الجدي بالأسرة الثقافية والفنية والفكرية والدليل على ذلك هو خلو أغلب المنابر الإعلامية الجزائرية راهناً من المساحات التي ترعى الفعل الثقافي والفني والفكري.

وما يؤسف له هو أن ممارسة دفن المجلات الثقافية والفنية والفكرية الجيدة التي عرفتها الجزائر في الماضي، وأنّ إقامة جدران فولاذية تمنع وصول أحدث وأرقى المطبوعات والمنابر الإعلامية الثقافية العربية والأفريقية والأوروبية إلى الجزائر، وأنّ إلغاء الملاحق الأسبوعية والشهرية والصفحات الثقافية والفنية من المنابر الإعلامية، التي كانت تنعش الحياة الثقافية والفنية والفكرية في البلاد الجزائرية، قد نتج عنها جميعاً إقحام أهل الفكر والثقافة والفن في زاوية المنولوج العازل والمعزول الأمر الذي كرّس ظاهرة النكوص الثقافي وغلق سبل الحوار مع مستجدات الفكر والثقافة والفنون على المستوى الإقليمي والمشرقي العربي الأفريقي والعالمي.