ترقبوا كيف سيحوّل دونالد ترامب فضيحة دردشة سيغنال إلى ذخيرة

كتاب النهار 30-03-2025 | 07:05
ترقبوا كيف سيحوّل دونالد ترامب فضيحة دردشة سيغنال إلى ذخيرة
الاعتقاد الجاهل بأن فضيحة سيغنال ستؤدي إلى ما أسفرت عنه فضيحة ووترغيت أو أن تؤدّي بدونالد ترامب إلى التراجع في ملفات السياسات العالمية، هو هذيان.
ترقبوا كيف سيحوّل دونالد ترامب فضيحة دردشة سيغنال إلى ذخيرة
سيضاعف ترامب عزمه على قطع الذراع الحوثية المهمة لإيران (أ ف ب)
Smaller Bigger

يرفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تكون هناك تداعيات لفضيحة الدردشة السرّية لكبار المسؤولين في إدارته عبر تطبيق سيغنال التجاري حول خطط الغارات ضد الحوثيين في اليمن. ربما يستغني عن مسؤول معيَّن لعله يكون مستشار الأمن القومي الأميركي مايك والتز الذي أعلن أنه يتحمل "كامل المسؤولية" عن الخرق الأمني الفاضح الذي حصل نتيجة ضم صحافي عن طريق الخطأ إلى النقاش السرّي للغاية. لكن دونالد ترامب لن يسمح بالمحاسبة التي يريدها الديموقراطيون، ولن يوفّر الذخيرة للحوثيين للقبض على سياساته التصعيدية ضدهم. بل العكس، إنه سيضاعف عزمه على قطع الذراع الحوثية المهمة لإيران ليس لمجرد تحويل الأنظار عن فضيحة سيغنال، بل لأن مضاعفة تطويقه لإيران وطموحاتها النووية والتوسعيّة تشكل مشروعاً استراتيجياً يشمل المواقف الأميركية نحو الحشد الشعبي في العراق الذي يكاد يبقى وحده ورقة نسبية في أيادي طهران. سوريا ولبنان ومصير علاقتهما بإسرائيل جزء من الاستراتيجية، وكذلك دور تركيا في سوريا والشراكة التركية- السورية في التصدّي لإيران وقطع الطريق عليها. أما غزة، فمصيرها مرتبط بقرارات "حماس"، تلك الذراع المشلولة لإيران، شأنها شأن ذراع "حزب الله" في لبنان. فإلى أين؟

وقفة سريعة عند أهمية ما حدث في فضيحة سيغنال تأخذنا إلى أوروبا، الحليف التقليدي للولايات المتحدة. تعرّف صنّاع القرار في القارة الأوروبية إلى مدى ازدراء فريق ترامب بأوروبا وعزمه على أن يرسل إليها فاتورة العمليات الأميركية ضد الحوثي انطلاقاً من أن إلحاق الهزيمة بهذه المجموعة يحرّر الممرات البحرية أمام صادرات وواردات أوروبية بنسبة 40 في المئة مقارنة مع 10 في المئة. هذا ما قاله أكثر من مسؤول في الطاقم الرفيع أثناء دردشة سيغنال وأبرزهم نائب الرئيس جيه دي فانس الذي كان واضحاً في مدى بغضه لأوروبا ونظرته التحقيرية لها. 

أدّى ذلك بقادة أوروبا إلى النظر في أبعد من رئاسة دونالد ترامب إذ إن جيه دي فانس سيترشح للرئاسة الأميركية بعد ترامب، وإذا فاز فإن بقاءه في المنصب لفترة ثماني سنوات وارد جداً. صدمة الاطلاع على عمق المشاعر الأميركية، على مستوى الإدارة في البيت الأبيض، أيقظت أوروبا إلى ما تواجهه، كما أثار قلقها مما تعتبره صبيانية ترامبية خطيرة عليها. ثم إن قادة القارة الأوروبية أصيبوا بالهلع من استخفاف فريق ترامب بسرية التواصل في شأن مسألة تتعلق بالأمن القومي واللجوء الى تطبيق تجاري للبحث في مثل هذه الشؤون. 

غطرسة وغرور فريق ترامب أدّى بهم إلى الكسل الذهني والجسدي إذ كان في وسع الفريق التوجه إلى غرفة العمليات بدلاً من تطبيق سيغنال. هذه الفوقية والتعجرف سمات تقلق الأصدقاء والحلفاء وستؤدّي بهم إلى الحذر والتشكيك أكثر بالرئيس ترامب وفريقه، كما ستؤدي إلى تقليص الثقة بسرية المحادثات والمشاريع المشتركة. فالخوف من سيرة الخيانة الأميركية أُضيف إليه اليوم القلق من الولاء للإدارة الأميركية المتهورة والطائشة. 

كل هذا لا يلغي ولا ينفي أن لدى الرئيس الأميركي سياسات ابتكارية مهما بلغت أساليب تطبيقها من مستوى البهلوانية أحياناً. هذه سياسات أميركية جديّة للغاية يجب ألا يرتكب أحد خطأ الافتراض أنها عابرة وسطحية، أو أن أخطاء سيغنال ستؤدّي إلى التراجع عنها. بل على الأرجح أن يضاعف الرئيس ترامب الرهان لأن الشعب الأميركي، تقليدياً، يصطف وراء رئيسه في زمن الحرب أو عند المواجهة مع طرف أجنبي. بغض النظر عن الاختلاف والانقسام داخل الصفوف الأميركية نحو إيران وكيفية التعامل معها، يتفق الأميركيون على خطر امتلاك إيران السلاح النووي، وقد بدأت الأكثرية تدرك أبعاد وإفرازات السلوك الإقليمي لإيران ودعمها للميليشيات في اليمن ولبنان وسوريا والعراق.