هل تسرّع أردوغان بتوقيف إمام أوغلو؟

كتاب النهار 28-03-2025 | 03:10
هل تسرّع أردوغان بتوقيف إمام أوغلو؟
لا يمكن اعتبار الحدث التركي حدثاً عابراً وسط الأزمات الحادة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط...
هل تسرّع أردوغان بتوقيف إمام أوغلو؟
أرسل أردوغان وزير خارجيته إلى واشنطن لشرح وجهة نظره مما يجري (أ ف ب)
Smaller Bigger

هل تسّرع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في البناء على اللحظة الإقليمية والدولية المواتية له، كي يرتب شؤون الداخل بما يتواءم مع طموحه لولاية رئاسية أخرى؟

سؤال مركزي يطرح نفسه بقوة مع الاحتجاجات الواسعة، التي اندلعت عقب توقيف رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في 19 آذار / مارس الجاري بتهمة الفساد والإرهاب. وبذلك، ربما تجاوزت ردود الفعل القوية حسابات أردوغان.

منذ 2017 عندما وضع أردوغان دستوراً جديداً، وهو يمسك بصلاحيات واسعة في نظام رئاسي بكل معنى الكلمة، وتراجع دور البرلمان إلى حد كبير، في وقت لا يزال حزب العدالة والتنمية مع حليفه الحركة القومية يسيطر على الغالبية، لكن من دون بلوغ نسبة الثلثين التي يسعى إليها أردوغان الآن، على أمل تعديل الدستور بما يتيح له الترشح لولاية رئاسية جديدة، بعد ولايتين بمقتضى دستور 2017، أما فعلياً فيحكم أردوغان منذ 22 عاماً.

كثيرة هي المؤشرات التي كانت تدل على أن أردوغان، بات قاب قوسين أو أدنى، من اتخاذ قرار بتقديم موعد الانتخابات الرئاسية عن موعدها الأصلي في 2028. وحده إمام أوغلو كان عائقاً جدياً أمام فوز أردوغان بولاية رئاسية أخرى، نظراً للكاريزما، التي يتمتع بها رئيس بلدية إسطنبول. وكانت كل استطلاعات الرأي تظهر تقدمه على الرئيس التركي على المستوى الوطني.

إمام أوغلو تحدى أردوغان في 2019 عندما فاز ببلدية اسطنبول، ما حدا بالحكومة التركية إلى إلغاء النتائج وإعادة الانتخابات، ليفوز بها مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض وبأصوات أكثر مما حصل عليه في المرة الأولى. وفي 2024، اكتسح إمام أوغلو انتخابات إسطنبول، وبرز الرجل أكثر كمنافس قوي لأردوغان في الانتخابات الرئاسية، سواء أجريت في موعدها الأساسي أو تم تقريبها.

ولا بد أن هذا وراء قرار توجيه الاتهامات لإمام أوغلو بالفساد والإرهاب، لتسقط المحكمة التهمة الثانية عنه لاحقاً، من دون أن يحول ذلك دون سجنه بقضية فساد في اليوم الذي كان حزب الشعب الجمهوري يجري انتخابات تمهيدية تتوج رئيس البلدية السجين مرشحاً رسمياً للحزب في الانتخابات الرئاسية.

ومع انفجار الاحتجاجات من قبل مؤيدي المعارضة، التي رأت أن الاتهامات تأتي على خلفية سياسية وبأن هدفها فقط إزاحة إمام أوغلو من ساحة المنافسة.

وانعكس الاضطراب السياسي على الاقتصاد التركي المأزوم أصلاً، وتدنت الليرة إلى مستويات قياسية في مقابل الدولار الأميركي. واضطر البنك المركزي إلى ضخ عشرات المليارات من الدولارات لمنع الليرة من التدهور أكثر، بينما بدأت ترتسم علامات استفهام حول مدى قابلية أصحاب الرساميل لمواصلة الاستثمار في تركيا.

لا يمكن أردوغان أن يكون مقنعاً، عندما يتهم مئات الآلاف الذين نزلوا إلى الشوارع احتجاجاً على توقيف إمام أوغلو، بأنهم فاسدون ومخربون وبأنهم يتحدون الديموقراطية التركية، في مسعى لاستعادة ظروف محاولة الانقلاب الفاشلة التي نفذت عام 2016، وما تبعها من حملات تطهير في المؤسسات التركية كافة، من الجيش والشرطة إلى القضاء والتعليم.

الجهة الوحيدة المطمئن إليها أردوغان هي الخارج، الذي لم يتخذ موقفاً حازماً من التطورات، واكتفت أوروبا بإبداء القلق والدعوة إلى ضبط النفس، بينما أرسل أردوغان وزير خارجيته حقان فيدان على وجه السرعة إلى واشنطن لشرح وجهة نظره مما يجري.

لا يمكن اعتبار الحدث التركي حدثاً عابراً وسط الأزمات الحادة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، نتيجة الحروب الإسرائيلية المستمرة على غزة ولبنان وتوسيع الاحتلال لمناطق في جنوب سوريا. وتخوض تركيا منافسة شرسة مع إسرائيل عل تقاسم النفوذ في سوريا في مرحلة ما بعد نظام بشار الأسد.