مصر ترفض دور الشرطي

كتاب النهار 19-03-2025 | 01:36
مصر ترفض دور الشرطي
بدلاً من تحمل إسرائيل مسؤولية إعادة إعمار غزة، تحاول تصدير المشكلة إلى مصر. وتدرك القاهرة أن أي دور مباشر لها في غزة قد يُفسَّر على أنه خدمة للمصالح الإسرائيلية...
مصر ترفض دور الشرطي
رفضت القاهرة أي مساومة على حساب مواقفها الاستراتيجية (أ ف ب)
Smaller Bigger

رفضت مصر بشكل قاطع المقترح الذي قدمه زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد، والذي يقضي بتوليها إدارة قطاع غزة لمدة تراوح من 8 إلى 15 عاماً في مقابل إسقاط جزء من ديونها الخارجية.

جاء الرد المصري حاسماً، إذ أكدت وزارة الخارجية أن هذه الأطروحات تمثل “التفافاً على ثوابت الموقف المصري والعربي”. هذا الموقف لم يكن مجرد رفض سياسي موقت، بل هو امتداد لنهج مصري ثابت يرفض أي مقترحات تكرّس الاحتلال أو تؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية.

لم يكن الحديث عن تولي مصر إدارة غزة جديداً، فقد سبق لها أن حكمت القطاع بين عامي 1948 و1967. في البداية، خضع القطاع لإدارة حكومة “عموم فلسطين” المدعومة من القاهرة، لكنها لم تحظَ باعتراف دولي، ما دفع مصر لاحقاً إلى وضع غزة تحت حكم عسكري مباشر من دون ضمها رسمياً. خلال تلك الفترة، عانت غزة من أوضاع اقتصادية صعبة، بخاصة مع نزوح أكثر من 200 ألف لاجئ فلسطيني إليها عقب نكبة 1948. لم يكن لمصر مشروع سياسي طويل الأمد لإدارة القطاع، بل اعتبرته مسؤولية موقتة حتى يتم التوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية.

انتهى الحكم المصري لغزة بعد حرب 1967، حين احتلت إسرائيل القطاع إلى جانب الضفة الغربية وسيناء، ومنذ ذلك الوقت لم تعد مصر طرفاً مباشراً في إدارة غزة، لكنها استمرت في لعب دور رئيسي في القضايا الأمنية والوساطات السياسية المتعلقة به.

رفض مصر تولي إدارة غزة حالياً يستند إلى اعتبارات عدة، أبرزها الأمن القومي والمخاوف من التهجير. هناك قلق من أن يتحول القطاع إلى عبء أمني كبير، بخاصة مع تعقيدات الوضع الداخلي ووجود فصائل مسلحة لا تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية. إذا قبلت مصر بهذا الدور، فقد تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع هذه الفصائل، مما قد يؤدي إلى صراعات غير مرغوبة أو يؤثر على استقرارها الداخلي. كما تخشى القاهرة أن يصبح القطاع منطقة غير مستقرة تستخدمها الجماعات المتطرفة نقطة انطلاق لتهديد الأمن في شمال سيناء، ما يضعها في موقف أمني معقد على حدودها الشرقية.

ترفض مصر أيضاً أن تلعب دور “الشرطي” لإسرائيل، إذ ترى أن المقترح الإسرائيلي يهدف إلى تهرب تل أبيب من مسؤولياتها عن القطاع ونقل الأزمة إلى طرف آخر. فبدلاً من تحمل إسرائيل مسؤولية إعادة إعمار غزة بعد الدمار الذي لحق به جراء عملياتها العسكرية، تحاول تصدير المشكلة إلى مصر. وتدرك القاهرة أن أي دور مباشر لها في غزة قد يُفسَّر على أنه خدمة للمصالح الإسرائيلية على حساب الحقوق الفلسطينية، وهو ما يتعارض مع سياستها التي تؤكد أن الحل يجب أن يكون شاملاً، وليس مجرد إدارة موقتة للقطاع.

كما أن هناك مخاوف حقيقية من أن يؤدي تولي مصر إدارة غزة إلى تكريس فصل القطاع عن الضفة الغربية، ما يعني عملياً تصفية القضية الفلسطينية وتقويض حل الدولتين. وتخشى القاهرة أن يكون هذا الاقتراح مقدمة لمخططات تهدف إلى نقل الفلسطينيين من القطاع إلى سيناء، وهو سيناريو سبق أن رفضته بشدة.

ورغم أن المقترح تضمن إغراءات اقتصادية، مثل إسقاط جزء من الديون المصرية، فإن القاهرة رفضت أي مساومة على حساب مواقفها الاستراتيجية. تدرك القيادة المصرية أن قبول مثل هذا العرض قد تترتب عليه تداعيات سياسية وأمنية أخطر من أي فوائد اقتصادية موقتة. كما أن هذا ليس أول عرض من نوعه، فقد سبق أن قدمت الولايات المتحدة مقترحاً مشابهاً عام 2023 لإدارة الأمن في غزة بصفة موقتة، لكن مصر رفضته، وأكد الرئيس عبد الفتاح السيسي رفضه القاطع لهذه الفكرة.

بدلاً من تولي الإدارة، طرحت مصر حلولاً تدعم تولي الفلسطينيين أنفسهم مسؤولية غزة. من هذه الحلول إعادة السلطة الفلسطينية إلى القطاع خطوة لإنهاء الانقسام، لكنها واجهت رفضاً إسرائيلياً. كما اقترحت تشكيل حكومة فلسطينية غير حزبية تدير الضفة الغربية والقطاع، إلى جانب تقديم دعم أمني ولوجستي محدود، مثل مراقبة الحدود أو تدريب كوادر أمنية فلسطينية، من دون أي دور إداري مباشر.

يستند الموقف المصري إلى رؤية استراتيجية واضحة ترفض أي دور إداري مباشر في غزة أو أي مخططات تهدد القضية الفلسطينية. ورغم الضغوط السياسية والإغراءات الاقتصادية، فإن مصر تتمسك بموقفها الرافض تولي إدارة القطاع، وتؤكد أن الحل يكمن في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإعادة السلطة الفلسطينية إليه، ومنح الفلسطينيين حقهم في إقامة دولتهم المستقلة. وفي هذا الإطار، ستواصل القاهرة لعب دور الوسيط من دون أن تصبح طرفاً مباشراً في الأزمة.