.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
أصدر القضاء التونسي أخيراً بطاقة إيداع في السجن خاصّة بمغني راب مشهور على خلفية الاشتباه في استهلاكه وترويجه للمخدِّرات. وقالت مصادر أمنية إن البحث مع المغني سوف يشمل احتمال تورطه في تبييض الأموال والارتباط بشبكة للإتجار بالمخدرات.
وكان فنان الراب وجّه رسالة فيديو إلى رئيس الجمهورية في أيار/ مايو الماضي طالباً منه التدخّل لإنقاذه ممن يريدون إدخاله السجن باتهامه بترويج المخدّرات، وهو الذي لا يحتاج "للرزق الحرام"، حيث إن مداخيله من العروض الموسيقية تبلغ في المعدّل ما يقارب 125 ألف دولار في الشهر الواحد.
أثار خبر إيقاف المغني تعليقات كثيرة، بعضُها من زملاء الفنان في عالم موسيقى الراب ومنافسيه على حدّ سواء، والبعضُ الآخر من الجمهور الواسع، حيث أنحى الكثيرون باللائمة على القنوات التلفزيونية التونسية متهمين إياها بأنها السبب الرئيسي في الشهرة السريعة لبعض فناني الراب، ومنهم أولئك الذين تحتوي أغانيهم على مقاطع يؤوّلها البعض على أنها دعوات للتطبيع مع استهلاك المخدّرات، ومثال أولئك المغنّي الموجود رهن الإيقاف.
هناك بكل تأكيد مشكلة مخدرات بين الشباب والناشئة في تونس، فاستهلاك تلاميذ المدارس للمخدرات (خصوصاً القنّب الهندي والأقراص المخدّرة) تضاعف خمس مرات خلال العشر سنوات التي سبقت 2023، حسب استطلاع أجرته مؤسسة صحية حكومية. وفق ما تقول السلطات الأمنية فإن عدد مروجي المخدرات الذين تم إلقاء القبض عليهم قد ارتفع من 3145 شخصاً سنة 2023 إلى 5000 السنة الموالية.
وهناك أيضاً إشكاليات تطرحها بعض أغاني الراب التي لا يتحرّج أصحابها من الإشارة إلى استهلاك المخدرات، وكأنما هو أمر عادي. وذلك بالطبع له تأثيره على الجمهور الشاب الذي يهوى هذا النمط الموسيقي. كلّ ذلك لا يبرّر جعل موسيقى الراب مشجباً تعلّق عليه ظاهرة انتشار المخدّرات.
إن موسيقى الراب التونسية منذ انتشارها في تسعينيات القرن الماضي كانت ولا تزال صوت الشباب في تمرّده على السائد، وفي تفاعله مع قضايا البطالة والهجرة غير الشرعية وصعوبات الحياة في الأحياء الشعبية. وقد شكّل هذا التعبير الموسيقيّ مورد رزق محترماً لعشرات الفنانين، خصوصاً أولئك الذين تحقق أغانيهم نسب مشاهدة عالية على منصات التواصل الاجتماعي.
الكلام على التلفزيون هو كذلك ذو وجهين. هناك الحرية المبدئية للمنتج التلفزيوني في اختيار ضيوفه وتحديد محتوى برامجه، ولو كان يجري وراء الإثارة ونسب المشاهدة. وكذلك للمنتج حريته في اختيار مواضيع المسلسلات والأفلام التي يعدّها أو يقتنيها للبث على قناته. لكن هناك في مضامين بعض البرامج، خصوصاً المسلسلات، ما أثار ولا يزال يثير حفيظة شرائح واسعة من المجتمع، من حيث إدراجها المتكرر لموضوع استهلاك المخدّرات ضمن سيناريوهاتها.
المسلسلات لا تبرّر استهلاك المخدرات بل هي تصوّر جانباً من الواقع. ولكن البعض يرى في مضمونها تطبيعاً ضمنياً مع الظاهرة. يأتي ذلك على خلفية اتهام القنوات التلفزيونية بأنها أخلّت بمسؤوليتها الاجتماعية للتلفزيون بعد أن تحوّل الكثير من برامجها إلى منصات لإطلاق الفقاعات وصناعة "مشاهير" من دون الانتباه إلى ما يمكن أن تشكّله شهرتهم على الناشئة.
رغم ذلك لا يمكن اتهام التلفزيونات في تونس بأنها سبب الآفات الاجتماعية للبلاد ومنها المخدرات، بل هناك في الواقع حلقات مترابطة تساهم في انتشار هذه الآفات وجعل احتوائها يتجاوز قدرة المؤسسة الأمنية لوحدها.
جانب من المسؤولية تتحمّله الأسرة عندما تغضّ الطرف عن الثراء المجهول المصدر لأبنائها الذين يتورطون في الترويج، أو هي تمنحهم إمكانيات مادية تتجاوز احتياجات من هم في سنّهم، وتسمح لهم بشراء المخدّرات. لكنّ الأسرة كثيراً ما تجد نفسها منقطعة عن أبنائها، إذ يستظلّون بسقف الإنترنت عوضاً عنها، والأرقام لا تترك مجالاً للشكّ في أن مواقع التواصل الاجتماعي هي وسيلتهم للتعامل مع الآخرين؛ فما لا يقلّ عن 96 في المئة من مستعملي منصّة "تيك توك" في تونس تحت الرابعة والثلاثين، كذلك 66 في المئة من مستعملي إنستغرام، و88 في المئة من مستعملي سناب تشات.
تبعاً لهذا الواقع الجديد، تحتاج السلطات والأسر إلى يقظة أكبر تجاه الاستعمالات الخاطئة لهذه المنصّات، لا سيّما ما تعلّق منها بالإتجار بالمخدرات.
وهناك أيضاً مسؤولية أوسع للمجتمع من بينها عقلية غضّ الطرف عن السلوكيات المنحرفة التي توفر الربح السهل لأصحابها. من الأمثلة على ذلك الحكايات التي تروى عن المهاجرين الذين ينزلقون نحو ترويج المخدرات في أوروبا، ثم يعود بعضهم إلى أحيائهم الفقيرة بعد أعوام، وعلامات الثراء بادية عليهم. القليل فقط من الناس يشيرون إلى أن معظم المروّجين يسقطون بين أيدي مصالح الأمن، ويقضون أعواماً طويلة في السجن، بالإضافة إلى كونهم يساهمون في تشويه سمعة المهاجر التونسي والمغاربي.
هناك ضرورة لمحاربة الضبابية المفتعلة التي يحاول البعض استغلالها لتبرير استهلاك المخدرات. فعندما يتذرّع الشاب أو الفتاة بمجرد الرغبة في "الترفيه" أو "التنفيس عن الضغوط" باستهلاكه لسيجارة قنّب هندي أو أقراص مخدّرة فهو يقترف جريمة يعاقب عليها القانون، ولا يكون في مقام الترفيه أو التنفيس عن نفسه.
وعندما ترتفع الأصوات لتطالب بإطلاق سراح المئات من الموقوفين "لمجرّد أنهم استهلكوا" القنّب الهندي بوصفه "مخدّرات خفيفة"، فالبعض يهوّن من حيث لا يدري من الجريمة حتى لو كانت هناك حاجة لتطوير القوانين.
عقلية المجازفة والاستهتار بالقانون، مهما كانت المسوّغات والذرائع، لا تبني المنظومات الاجتماعية المتماسكة بل هي تفتح "صندوق باندورا" أمام كل الشرور والآفات ومن بينها آفة المخدرات.