ترامب و"الفيودالية التقنية"... اللايقين هو اليقين الوحيد!

كتاب النهار 07-02-2025 | 05:25
ترامب و"الفيودالية التقنية"... اللايقين هو اليقين الوحيد!

نحن نشهد ولادة "بلوتوقراطية" يهيمن عليها مليارديرات مستقلّون، يعملون من أجل مصالحهم الخاصة، في طريقهم للسيطرة المباشرة على الدولة.

ترامب و"الفيودالية التقنية"... اللايقين هو اليقين الوحيد!
"مع دونالد ترامب، هناك تغيير حقيقي في الطبيعة" (أ ف ب)
Smaller Bigger

منذ أدائه اليمين الدستورية ودونالد ترامب يشعل الحرائق على أكثر من صعيد. البعض لا يزال يعتبر كلّ ذلك مجرد صدمات متعمّدة لتحسين شروط التفاوض؛ فترامب يرفع سقف المطالب عالياً، وينتظر عروض الآخرين، وكلّما تأخر الرد ضاعف التهديدات.

في غزة، طالب بوقف النار، وإطلاق سراح الأسرى، وإلا سيحول غزة والشرق الأوسط إلى جحيم؛ بعد ذلك طالب مصر والأردن باستقبال سكّان غزة لأن إعادة الإعمار غير ممكنة بوجودهم. وعندما تلقّى الرّد بتجديد رفض عمان والقاهرة مسنودين بموقف عربي عبّر عنه بيان وزراء خارجية كلّ من السعودية والإمارات وقطر والأردن ومصر وقطر وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والأمين العام للجامعة العربية، ألقى ترامب قنبلته العنقودية عندما قال إن الولايات المتحدة الأميركية ستبسط سيطرتها على غزة، وستجعلها ريفييرا شرق المتوسط، لكن من دون سكانها؛ فغزّة مجرّد قطعة أرض جميلة، والفلسطينيون يمكن أن يسكنوا في مكان آخر بعيداً عن الدمار وأهوال الحروب.

هذه المقاربة، التي يعتبرها البعض رؤية رجل أعمال مشتغل بالعقار، لا تعكس في الواقع حقيقة "الرؤية" التي تحكم أميركا اليوم في ظلّ ولاية ترامب الثانية؛ ذلك أن ترامب ينظر بالمنظار نفسه إلى أماكن أخرى من العالم. يكفي أن نستعيد رغبته في شراء غرينلاند ونزع سيادة الدنمارك عنها، وإلحاق كندا بالولايات المتحدة بوصفها الولاية 51، وإعادة السيطرة على قناة بنما، وهو ما يجعلنا، ليس أمام سياسي غير تقليدي وفق ما درج الجميع على وصفه بذلك في ولايته الأولى فحسب، بل أمام مرحلة جديدة في التعاطي مع مفاهيم شديدة التعقيد والخطورة، على رأسها مفهوما الدولة والسيادة؛ وهي مرحلة ترتبط فيها السياسة بالمال والتكنولوجيا ارتباطاً شديداً.

في ولايته الأولى، حقّق ترامب مفاجأة مدوية بوصوله إلى البيت الأبيض. وخلال حملته الانتخابية لم يخفِ عداءه ومهاجمته لمؤسسة الحكم، بمن في ذلك الإعلام والمانحون والأوليغارشية ونخبة واشنطن. وفي حفل تنصيبه رسمياً رئيساً للولايات المتحدة الأميركية قال: "لزمن طويل جداً، قطفت مجموعة صغيرة في عاصمة أمتنا ثمار الحكم في حين تحمل الشعب الثمن. ازدهرت واشنطن لكنّ الشعب لم يشاركها ثروتها. ازدهر السياسيون لكنّ الوظائف انعدمت والمصانع أغلقت. لقد حمت مؤسسة الحكم نفسها لكنها لم تحم المواطنين ولا بلادنا".

سردية ترامب حول مؤسسة الحكم والنخب الأوليغارشية جذبت كثيرين ممن كانوا بحاجة إلى زعيم قادر على مواجهة ماكينة صنع نخب على المقاس في الحزبين التقليديين؛ وساعده ذلك على التحوّل إلى أيقونة لتيار شعبويّ واسع كان بحاجة إلى زعيم عادي يشبههم. وهذا يتوافق مع تحليل أوربيناتي Nadia Urbinati للشعبوية في كتابها المهم "أنا الشعب... كيف حوّلت الشعبوية مسار الديموقراطية"، إذ قاربت الشعبوية ليس بوصفها مجرّد عرضٍ لإعياءٍ بسبب "مؤسسة الحكم" والأحزاب الراسخة، بل بوصفها دعوة مشروعة للسلطة من الناس العاديين، الذين أخضعوا لسنواتٍ للدخل المتدنّي والنفوذ السياسي. هذا الأمر يفسّر درجة الانقسام الكبيرة التي يعرفها المجتمع الأميركي المؤطر بكمّ هائل من خطاب الكراهية، بالإضافة إلى التحوّلات العميقة التي تعرفها قواعد اللعبة الديموقراطية التي استقرت في الممارسة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ وهو ما يدفع إلى ضرورة بحث هذه الظواهر الجديدة، التي تعبّر في أحد وجوهها عن شيخوخة زاحفة على نموذج الديموقراطية التمثيلية، وعجز الخطابات التقليدية عن كسب المعارك الانتخابية التي أصبح دورها محدوداً.

ترامب في ولايته الأولى كان محاطاً بجزء من المحافظين في الحزب الجمهوري، وهم سياسيون تقليديون على العموم؛ لذلك اصطدم ترامب بهم في أكثر من مناسبة، وقام بعزل الكثير منهم، بينما فضل آخرون تقديم استقالاتهم. وأهم الخصومات التي واجهها ترامب كانت مع قادة وادي السيليكون؛ فـ"تويتر" حجبت حسابه، و"فايسبوك" حرّض على أنصاره ممن اقتحموا الكونغرس، كما كان موقفه رافضاً للعملات المشفّرة.

الصورة مختلفة اليوم، وقد ظهر ذلك منذ الحملة الانتخابية وليلة إعلان النتائج، وفي حفل التنصيب؛ فالرجل كان محاطاً على غير العادة بقادة وادي السيليكون، من ماسك إلى سام ألتمان، مروراً بجيف بيزوس وبيل غيتس وزوكربيرغ. في مقال للكاتبة الكندية مارتين ديلفو Martine Delvaux، نشرته صحيفة "ليبراسيون"، قالت إن زمن "البروليغارشية broligarchie  قد وصل؛ زمن حكم "الإخوة" الأكثر غنًى، الأكثر بياضاً، والأكثر قوة، الذين جاؤوا رأساً من وادي السيليكون، ليجلسوا رفقة إيلون ماسك أغنى رجل في العالم، على يمين دونالد ترامب. هكذا يوجد على طاولة السلطة في الولايات المتحدة مافيا Paypal، والرجال الذين على رأس شركة "سبايس إكس"، و"تيسلا"، و"إكس آي"، و"إير بي إن بي"، و"ميتا" (...)". هذه المشهدية تعلن التحدّي الأكبر في التاريخ لزواج التكنولوجيا بالسلطة، فيما يعتبره البعض قيام سلطة خامسة، تقوم على الحضور في دواليب السلطة في واشنطن مسنودة بقوة الإعلام الجديد المبنيّ على شبكات التواصل الاجتماعي والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، والعملات المشفّرة خارج سلطة البنك المركزي، والأنظمة البنكية. لكن هذه السلطة عوض أن تعكس التقدم الاجتماعي من خلال لامركزية السلطة السياسية، فإن تسلسلاً هرمياً جديداً للسلطة يتشكل، وثمة سلطة آخذة بالتبلور، مكوّنة من رجال من أصحاب المليارات، الذين يعتبرون الحكم مجرّد مشهد.

"ميديا بارت" الفرنسية خلصت في توصيفها للمشهد الجديد إلى أنه مع دونالد ترامب، هناك تغيير حقيقي في الطبيعة. لم تعد الرأسمالية المالية هي القائمة منذ الثمانينات. لم تعد مؤسسات وول ستريت الكبرى، مثل غولدمان ساكس أو جي بي مورغان، أو الصناعيون الأقوياء مثل "بيكتل"، ترسل بعض مديريها التنفيذيين إلى مناصب تنفيذية رئيسية. نحن نشهد ولادة بلوتوقراطية يهيمن عليها مليارديرات مستقلّون، يعملون من أجل مصالحهم الخاصة، في طريقهم للسيطرة المباشرة على الدولة. أما "ميشيل غولبيرغ" فكتب في مقال رأي في "الواشنطن بوست" أن أسياد التكنولوجيا، مهما بدا أنهم ليبراليون في السابق، فإنهم يرحّبون بالنظام الجديد. فقد كره الكثير منهم حركات الدفاع عن الحريات والسود والأقليات، واستاؤوا من مطالب الموظفين المغرورين الجدد، وغضبوا من محاولات إدارة جو بايدن لتنظيم التشفير والذكاء الاصطناعي. 


الواقع اليوم أننا أمام ميلاد "الفيودالية التقنية" بتعبير الاقتصادي اليوناني ينيس فروفيكس  Yanis varoufaiks في كتابه "العبيد الجدد للاقتصاد" Les nauveux serfs de  l'économie؛ وذلك في ظل الموت الرسمي للرأسمالية، بمعنى أننا أمام براديغم جديد للاقتصاد والدولة وأدوارها، وقد بدأ ذلك فعلياً عندما تحوّل الإنترنت من فضاء حرّ إلى فضاء لهيمنة "الفيودالية التقنية".