عن معضلة السلاح الفلسطيني أو جدواه في لبنان

كتاب النهار 07-02-2025 | 05:00
عن معضلة السلاح الفلسطيني أو جدواه في لبنان

بعد أن كنا نسمع عن نخبة فلسطينية في لبنان، فرضت وجودها في عالم الثقافة والصحافة والفنون والأكاديميا والاقتصاد، بتنا نشهد صعود كيانات ميليشياوية لحساب أجندات متضاربة محلية وإقليمية...

عن معضلة السلاح الفلسطيني أو جدواه في لبنان
المجتمع الفلسطيني في مخيمات لبنان مغلوب على أمره، إزاء السلاح والمسلحين (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم يعد للسلاح الفلسطيني في لبنان أي وظيفة وطنية، وهو منذ البداية أتى محمولاً على ظروف صعود الحركة الوطنية الفلسطينية، من أواخر الستينات إلى أواسط السبعينات، أما بعد ذلك فقد وصل إلى سقفه الممكن، أو المتاح، في الخارج، وفقاً لقدراته، وللمعطيات الدولية والعربية المساعدة أو الداعمه له، إذ تم استنهاض الشعب الفلسطيني، بعد النكبة، وتم انتزاع الاعتراف العربي والدولي بالكيانية الفلسطينية متمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، ككيان سياسي، وكممثل شرعي وحيد للفلسطينيين، بصعود الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات لإلقاء كلمة فلسطين في منبر الأمم المتحدة في نيويورك (13 تشرين الثاني / نوفمبر 1974)، وفي مؤتمر القمة العربي في الرباط (26 تشرين الثاني 1974). 

الجدير ذكره أن التطورين المذكورين حصلا بعد تحول قيادة منظمة التحرير نحو التماثل مع المقررات الدولية والعربية في شأن الصراع مع إسرائيل، بإقرار ما عرف بالبرنامج المرحلي، أو النقاط العشر، في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني (12 تشرين الأول / أكتوبر 1974)، الذي حول هدف الحركة الوطنية من التحرير، أو من ملف النكبة 1948، إلى هدف إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، أي إزالة احتلال 1967.

وبهذا التاريخ بدأت الأزمة الوطنية الفلسطينية، بعدما لم يعد بالمستطاع تحقيق مزيد من الإنجازات، وفقاً لإمكانات الفلسطينيين المحدودة، وحدود الدعم العربي والدولي لكفاحهم. وما فاقم تلك الأزمة، حينها، تورط الحركة الوطنية الفلسطينية، أو توريطها في الحرب الأهلية اللبنانية (1975)، بحيث انشغلت عن وظيفتها الأساسية، وباتت بمثابة سلطة في لبنان، أو في بعض لبنان، كما بات السلاح الفلسطيني يصرف طاقته في غير محلها، ما أضرّ بها وبفلسطينيي لبنان، كما أضر بلبنان وشعبه.

ومعلوم أن هذا الفصل، الذي انتهى نظرياً أواسط السبعينات، انتهى عملياً بإجبار منظمة التحرير ومقاتلي الفصائل الفلسطينية على الخروج من لبنان، لكن ليس بفضل مراجعة الفلسطينيين لأوضاعهم، وإدراكهم لأحوالهم، مع الأسف، وإنما بفعل الاجتياح الإسرائيلي للبنان (1982)، وضمن ذلك حصار بيروت لثلاثة أشهر.

في المحصلة، فإن الحركة الوطنية الفلسطينية، آنذاك، تسببت بدخول الجيش السوري إلى لبنان (1976)، تحت لافتة "قوات الردع العربية"، بدعوى وقف الحرب الأهلية، ما أخضع لبنان لهيمنة نظام الأسد من كل النواحي، إلى حين إخراج الجيش السوري من لبنان، بعد ثلاثة عقود، وإثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري (2005).

بيد أن من نتائج الكفاح المسلح الفلسطيني في لبنان أو عدواه، ظهور "حزب الله"، أيضاً، كحزب طائفي، وكميليشيا مسلحة، وكذراع إقليمية لإيران، والذي آلت إليه مقاليد الأمور، في الهيمنة على لبنان، بعد أفول هيمنة نظام الأسد عليه (في عهد الأسد الابن كما قدمنا). واللافت أن هذا التطور تزامن مع صعود حركة "حماس" في المشهد الفلسطيني، مع الفصائل المعارضة المحسوبة على النظام السوري، وعلى ما سمي في ما بعد محور "المقاومة والممانعة"، بحيث أن الفصائل الفلسطينية، التي حافظت على وجودها المسلح في لبنان في عهد الهيمنة السورية، استمرت في ذلك في عهد هيمنة "حزب الله"، وبحسب ضبطه لأوضاعها، وتوظيفه لها على الصعيدين اللبناني، وكورقة في يد إيران. 

في غضون ذلك، فإن مجتمع الفلسطينيين في لبنان دفع ثمناً باهظاً، أولاً، بفعل النكبة التي أخرجته من وطنه. ثانياً، بسبب السياسات التمييزية ضده. ثالثاً، بتحمله كلفة صعود الكفاح المسلح الفلسطيني، نتيجة الضربات الإسرائيلية للمخيمات. رابعاً، بدفعه ثمن خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وانكشاف ضعفه... وخامساً، بسبب التوتر الحاصل بينه وبين بعض اللبنانيين، على خلفية كل ما حصل، ومع التقييدات التمييزية لعمل الفلسطينيين في لبنان. 

بالمحصلة، فقد نجم عن كل ذلك تعرض الفلسطينيين في المخيمات لمجازر عديدة، في تل الزعتر والضبية وصبرا وشاتيلا وبرج البراجنة ونهر البارد، على يد أطراف من عديد من القوى، التي قامت بتدمير أجزاء كبيرة من تلك المخيمات، ما نجم عنها مغادرة نسبة كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين لبنان، إلى بلدان أجنبية.

الآن، لا أحد يعرف عدد اللاجئين الفلسطينيين المتبقين في لبنان، لكن الجميع يعرفون أن معظمهم يعيش في ظروف صعبة، لجهة حرمانهم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التي نصت عليها المعايير الدولية، كما لجهة إقامتهم في مخيمات لا تزال غير لائقة لعيش البشر، على رغم مرور أكثر من سبعة عقود على إقامتها. أيضاً، وعلى رغم أن الدولة اللبنانية لا تتحمل شيئاً من موازنتها إزاء اللاجئين الفلسطينيين، إذ تتولى "أونروا"، ومنظمات فلسطينية سياسية أو أهلية، القيام بذلك، إلا أن قطاعاً من اللبنانيين لا يزال يضيق بهؤلاء، معتبراً إياهم فائضاً عن الحاجة، أو عبئاً أمنياً أو ديموغرافياً أو طائفياً، بادعاء رفض التوطين، علماً أن أحداً منهم أو من فصائلهم لم يتحدث يوماً لا عن التوطين ولا عن التخلّي عن حق العودة.

هكذا، وبعدما كنا نسمع في الخمسينات والستينات والسبعينات عن نخبة فلسطينية في لبنان، فرضت وجودها في عالم الثقافة والصحافة والفنون والأكاديميا والاقتصاد، بتنا نشهد اليوم صعود كيانات ميليشيوية، واشتباكات بين فترة وأخرى في هذا المخيم أو ذاك، لحساب أجندات متضاربة محلية وإقليمية؛ مع الشبهات التي تحيط بصعود مثل تلك الجماعات لمصلحة أطراف محلية (حزب الله مثلاً)، أو إقليمية (إيران والنظام السوري الفارط).

هذا يحصل في وضع يبدو فيه المجتمع الفلسطيني في مخيمات لبنان مغلوباً على أمره، إزاء السلاح والمسلحين، فلسطينيين أو غير فلسطينيين، ما يثقل عليه، ويساهم في استنزافه، بحيث بات الوضع يتطلب من الطرفين المعنيين، أي القيادة الفلسطينية والحكومة اللبنانية، الإقدام على مراجعة هذا الملف، بمختلف جوانبه، أي ليس من جوانبه الأمنية (المتعلقة بموضوع السلاح) وحسب، وإنما بجوانبه السياسية والاجتماعية والقانونية أيضاً.

القصد أن زمن الكفاح المسلح الفلسطيني من الخارج انتهى منذ نصف قرن، وانتهت وظيفته الوطنية الأساسية، في مقاومة إسرائيل، وفي الدفاع عن المخيمات، وهو انتهى كلياً وفقاً للتداعيات الناجمة عن حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، وتقويض قدرات "حزب الله" في لبنان، وسقوط نظام الأسد في سوريا، وأفول مكانة إيران في المنطقة، وأيضاً بحكم تحول ثقل العمل الفلسطيني إلى الداخل، وإقامة السلطة، وأفول دور اللاجئين في العملية الوطنية.