.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
كل سلسلة النكبات التي أصيب بها العراقيون هي عبارة عن مشاهد واقعية تجلى من خلالها المشروع الأميركي.
لم يكن احتلال العراق فعلاً اعتباطياً فرضه انفعال مؤقت جرى تسويقه على أساس محاولة الولايات المتحدة استعادة كرامتها بعد ما جرى في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001.
تعود فكرة احتلال العراق إلى سبعينيات القرن الماضي. هل كان هناك خوف من أن يستلم صدام حسين السلطة المطلقة؟ قبل ذلك كان تأميم النفط الذي جرى التخلي عنه مباشرة بعد الاحتلال. عام 1998 أصدر الكونغرس الأميركي قانون تحرير العراق. لم يكن هناك سند قانوني لذلك الإجراء التعسفي. "جئنا بقطار أميركي" تلك جملة تُنسب إلى علي صالح السعدي وهو أحد قادة الانقلاب البعثي الذي وقع عام 1963، ولكن كل شيء تغير في العراق حين بدأت تجليات استعادته لثروته تظهر على شكل برامج تنمية قضت على البطالة وأقامت قاعدة صناعية وطورت منشآت الري، ما أدى إلى ازدهار زراعي، والأهم أن التعليم صار إلزامياً ومجانياً، كما شهد القطاع الصحي الذي يقدم خدماته مجاناً قفزة جعلت العراق مهيئاً لمغادرة موقعه بين دول العالم الثالث.
كانت الضربة التي وجهتها إسرائيل لمفاعل تموز النووي عام 1981 أولى الإشارات التي تؤكد أن هناك موقفاً أميركياً مناهضاً لقيام نهضة علمية في العراق. لقد كان معروفاً أن العراق لم يكن ينوي استعمال ذلك المفاعل لأغراض عسكرية. أما حين تم الكشف عن فضيحة إيران ــ كونترا عام 1986 فتبين أن الولايات المتحدة تصدر السلاح إلى إيران عن طريق إسرائيل أثناء الحرب العراقية الإيرانية، فقد كان على النظام السياسي الحاكم في العراق أن يصل إلى قناعة مفادها أن العقل السياسي الأميركي قد وضعه في قائمة الأنظمة المغضوب عليها.
كذبة يابان أخرى
عام 2002 وصف الرئيس الأميركي جورج بوش الابن حكومات إيران والعراق وكوريا الشمالية بـ"محور الشر". كان العراق يومها بلداً محطماً. لم تترك فرق التفتيش الأممية مكاناً فيه بما فيها القصور الرئاسية إلا وفتشته بحثاً عن أسلحة الدمار الشامل ولم تجد أثراً لها. في المقابل أعلنت كوريا الشمالية عن امتلاكها السلاح النووي وكانت إيران تسعى إلى تطوير إمكاناتها النووية بخبرات وتقنيات روسية. غير أن الولايات المتحدة كانت مصرة على أن يكون العراق هدفاً لمغامرتها العسكرية في إطار ترويجها لامتلاكه صواريخ يمكن أن تصل إلى نيويورك إذا ما تم تطويرها، وقد قام كولن باول، وكان وزير خارجية الولايات المتحدة، بعرض صور مزيفة في مجلس الأمن دعماً لتلك النظرية. فيما بعد اعترف باول في مذكراته أنه كان يكذب. حين شعر جورج بوش الابن أن كذبته لن تصمد كثيراً صار يقول "إن العالم سيكون أفضل من غير صدام حسين". كان من الضروري في تلك الحالة تسويق كذبة لينة لن تعرضه لأية مساءلة أخلاقية "سينتقل العراق من الاستبداد إلى الديموقراطية ويتحرر الشعب العراقي من حكم الحزب الواحد".
وجدت أجهزة الدعاية الحزبية التابعة لسلطة الاحتلال الأميركي في تجربة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية نموذجاً مثيراً وجذاباً. سيكون العراق يابان أخرى. يومها تكلمت مع عدد من المثقفين الذين تبنوا ذلك الموقف وكانوا مقتنعين أن العراق سيكون نموذجاً للدولة الحديثة التي سيحدث تطورها انقلاباً في المنطقة. بعد سنوات اعترف لي عدد منهم أن الاميركيين كذبوا عليهم.
الواقع الإيراني بدلاً من الحلم الأميركي
من المؤكد أن جورج بوش الابن كان قد خطط لإسقاط نظام صدام حسين بل والتخلص من رموز ذلك النظام الذين ظهرت صورهم على ورق اللعب الخمسة والخمسين. ولكن الحرب المدمرة التي انتهت إلى لعبة قمار هل كان مخططاً لها أن تُخرج العراق من أزماته التاريخية ليكون العراق على الأقل أميركياً كما كان يحلم مثقفو الدعاية الجديدة؟ قيل يومها إنه كان هناك صراع بين وزارتي الخارجية والدفاع حُسم لصالح وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي تسلم سيف الإمام علي من إبراهيم الجعفري الذي تم تعيينه رئيساً للحكومة العراقية الأولى بعد الاحتلال عام 2005 وكان قبل ذلك قد شغل منصب أول رئيس لمجلس الحكم الذي أسسه بول بريمر، الحاكم المدني لسلطة الاحتلال. يُقال جزافاً إن الولايات المتحدة انقلبت على الخطة التي رسمتها لاحتلال العراق. فبدلاً من أن يكون العراق يابانَ جديدة تمت الموافقة على إلحاقه بقائمة الدول المتخلفة الملحقة بإيران التي سيكون عليها أن تهدر ثرواتها في فضاء اللامعنى. لقد تمكن الإيرانيون بمشيئة المحتل الأميركي من العراق. أولاً من خلال نظام المحاصصة الذي سمح لأحزب الشيعة الموالية لإيران بالاستيلاء على الجزء الأكبر من الدولة، وثانياً من خلال السماح لإيران بإدخال ميليشياتها إلى الأراضي العراقية وتأسيس جيش رديف هو عبارة عن قوة احتلال ستستعمله في الدفاع عن مصالحها إذا ما تعرضت تلك المصالح للخطر. هكذا حل الواقع الإيراني محل الحلم الأميركي الذي لم يكن سوى وهم.
الفوضى الخلاقة هي القاعدة
"لم يسمح العراقيون للولايات المتحدة بإقامة دولة المواطنة التي تبني مؤسساتها ديموقراطياً". تلك جملة كررها البعض في سنوات الاحتلال الأولى رغبة في إدانة المقاومة العراقية ووضعها بين قوسي شبهة الحنين إلى زمن البعث والنظام السابق، غير أن أحداً لم يقدم دليلاً واحداً على أن سلطة الاحتلال المدنية كانت تخطط لاستعادة مؤسسات الدولة التي حطمتها أو الاستعانة بالخبرات العسكرية لضباط لم يكونوا على صلة عقائدية بالنظام السابق لإعادة بناء الجيش الذي حلته أو الاستماع إلى آراء خبراء الاقتصاد العراقيين من أجل الإبقاء على النظام المالي محصناً ضد السرقة.
كان كل شيء قد اتخذ مساره في سياق نظام الفوضى الخلاقة الذي ابتكرته كوندوليزا رايس وكان ذلك النظام هو الشيء الوحيد الذي تعرف إليه العراقيون من المشروع الأميركي. عام 2011 غادرت القوات الأميركية الأراضي العراقية ولم تترك وراءها إلا حكومة طائفية يقودها نوري المالكي الذي وصفه الأميركيون يومها بأنه رجل أميركا الإيراني في العراق. كانت تلك الوصفة ملغومة بكل ما سيعيشه العراقيون من مآس لم تبدأ بـ"داعش" ولكنها أيضاً لم تنتهِ بالحشد الشعبي. كل سلسلة النكبات التي أصيب بها العراقيون هي عبارة عن مشاهد واقعية تجلى من خلالها المشروع الأميركي. لم يحتل الأميركيون العراق إلا من أجل أن يكون خراباً.