قطعة القماش الباحثة عن التبريرات

كتاب النهار 01-02-2025 | 01:35
قطعة القماش الباحثة عن التبريرات
كل 1 فبراير -وهو اليوم العالمي للحجاب- والمحجبات السابقات صامدات ضد معاييرنا المزدوجة...
قطعة القماش الباحثة عن التبريرات
حلا شيحة
Smaller Bigger

حينما ارتدت الممثلة حلا شيحة الحجاب في 2003، احترمنا كمتفرّجين قرارها، وتفهّمنا حريتها في اتخاذه. لم يجرؤ أحد على سؤالها "لماذا الحجاب؟" بل قلنا بصوت واحد "وفّقكِ الله".

خلعت شيحة الحجاب، ثم أعادته في 2006، ولكننا لم نستفسر "لماذا الحجاب... مرة أخرى؟" بل كان يجب أن نفرح بهدايتها... مرة أخرى، وندعو لها بالثبات.

وحينما تنقّبت شيحة في 2007، وعزت الأمر إلى كوابيسها عن يوم القيامة، لم نشكّك في ما إذا كانت الأحلام سبباً منطقياً كافياً لاتخاذ القرار، أو نطالبها بدليل على وجوب تغطية الوجه.

ثم خلعت شيحة الحجاب والنقاب معاً، لكنّها حينما ظهرت بالحجاب في 2020 خلال عقد قرانها على الداعية معز مسعود، التزمنا حدودنا بشكل تلقائي، مدركين أننا لا نستطيع مصادرة حريّة أيّ امرأة في الرجوع إلى الحجاب.

ولقد توقّفت شخصياً عن متابعة تقلّبات شيحة، وأجهل اليوم ما إذا كانت محجبة أم "سافرة"، ولا أكترث،  طبعاً... ولكن "الحلقات" الوحيدة التي أتذكّرها من "المسلسل" الدرامي المشوّق كانت تلك التي عجّت بالتبريرات والتفسيرات.

في كل مرة خلعت فيها شيحة حجابها أو نقابها، كان عليها أن تعلّل لنا القرار في 400 كلمة أو أكثر، وكأنّما كانت أمام ورقة امتحان. كانت تضطر إلى "افتتاح المقالة" بتبيان مدى سعادتها وارتياحها حينما اتّجهت إلى الحجاب، لتحلّق بنا في عالم ورديّ رائع. ولكنها سرعان ما كانت تدخل في صلب الموضوع "المقلق" بالنسبة إلينا. "تطمأننا" شيحة بأنها لا تزال ترى الحق في الحجاب، تلك "الحاجة الحلوة" -وفق ما تصفها- و"تريحنا" بأنها ليست معارضة للنقاب كذلك، ولكنها "غير قادرة" على وضعهما حالياً. وفي الخاتمة، "تُمنّينا" شيحة بأنها قد تتحجّب مستقبلاً، فنتنفّس الصعداء بأنها "لا تكابر على الخطأ"، وفق ما نراه.

حتى حينما أعلن والدها خلعها للحجاب، أكّد انبثاق القرار من قراءتها لـ"طن من الكتب"، وكأنما ليقطع الطريق على تساؤلات مثل"ومن أجاز لها السفور؟"

كم يبدو اضطرار هؤلاء النساء إلى التعليل والتوضيح مستساغاً حينما نقارنه بتكفّلنا بالبحث عن "التشخيص" لخلع إحداهن للحجاب.

واستكمالاً للنماذج المعروفة من المشاهير، فحينما خلعت المطربة أمل حجازي حجابها، رجّحنا أن تكون سئمت خبوت الأضواء. وحينما خلعته صابرين، جزمنا بأنها طمعت في أموال التمثيل؛ وحتى حينما خلعته المذيعة نور حداد، أو "نور خانم"، ربط الكثيرون -ومن جمهورها الإخواني المحافظ- القرار بإصابتها بمرض ثنائيّ القطب!

من العجيب كيف أننا نعرف بديهياً ألا نسأل لماذا تقدم المرأة -أي امرأة- على وضع الحجاب، فنجيد الدفاع عنها، وعن حريتها، وعن تغيّر قناعتها لتصبّ في صالح قطعة القماش، ونشدّد على أنها ليست مطالبة بالتبرير، بل نمقت التلميحات إلى وجود "سبب خارجي" بالضرورة لقرارها، مثل الضغوطات الذكورية، أو التطرّف الديني. فأين يذهب ذلك الرقيّ حينما تخلع الحجاب؟