زعيمة "المحافظين" البريطاني... إن خسرت الرهان؟

كتاب النهار 01-02-2025 | 00:12
زعيمة "المحافظين" البريطاني... إن خسرت الرهان؟
هي أول إفريقية تصل إلى قمة الحزب "الأبيض" بامتياز. المفارقة تكمن في أنه أخذ يسلم قيادته لـ"أجانب" ملونين وهو يتوغل في أدغال التطرف...
زعيمة "المحافظين" البريطاني... إن خسرت الرهان؟
حظيت بادينوك بالثناء مرات تعد على الأصابع (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم تكمل كيمي بادينوك (44 عاماً)، النيجيرية الأصل، مئة يوم على رأس حزب "المحافظين" البريطاني، حتى قال نوابه إنها ليست جديرة بالإمساك بعصا القيادة. تفاوتت حظوظها بشكل حاد في الأشهر الثلاثة الماضية؛ فحظيت بالثناء مرات تعد على الأصابع، فيما تركّز الاهتمام في الغالب على أدائها الركيك في مجلس العموم أو خوضها معارك كانت في غنى عنها في بداية ولايتها. والوزيرة السابقة التي عرفت بالتشدد اليميني والجرأة ووضوح الرؤية، تبدو ضائعة تبحث باجتهاد عن البوصلة السياسية التي توصلها إلى قلوب الناخبين والنواب، من دون جدوى.

شكّك سلفاً معلقون بقدرتها على حمل راية أعرق الأحزاب البريطانية في خريف حياته التي شهدت للتو صدمات هزته بقوة في ختام 14 عاماً شكّل فيها خمس حكومات متعاقبة. ويعود هذا التشاؤم في جانب منه إلى صعوبة المهمة. وهل يستسهل عاقل إعادة عجوز في النزع الأخير إلى شبابه؟ إلا أن خلفية الزعيمة وبناءها الأيديولوجي ساهما أيضاً في إخماد جذوة التفاؤل.

فهي أول إفريقية تصل إلى قمة الحزب "الأبيض" بامتياز، بعد ريشي سوناك، أول زعمائه من أصول هندية. والمفارقة تكمن في أنه أخذ يسلم قيادته لـ"أجانب" ملونين وهو يتوغل في أدغال التطرف، تارة مدفوعاً بتحديات اليمين التي تحدق به، وأخرى بسبب الصراعات الداخلية وطموحات قادته. يشكّل هؤلاء "الأجانب"، تياراً مهماً فيه. لكن تصلّبهم المفرط أدخلهم في نزاعات انتهت بخروجهم من مراكز القوة، وهذا ما تدلل عليه تجربة سويلا برافرمان، "وزيرة الكراهية"، التي أمسكت بحقيبة الداخلية في حكومة سوناك.

اللافت أن تشدد بادينوك في دفاعها عن الإمبراطورية وعدائها لـ"الووك" من سود وملونين يسعون للدفاع عن حقوقهم، لم يكفيا لتمتين علاقتها بالنواب الذين اختاروها لقيادتهم حديثاً، لا بل إن منافسها السابق روبرت جينيرك، قد استفاد من كونه أكثر تطرفاً منها خلال انتخابات الزعامة. فقد كشف استطلاع للرأي نظمه موقع "كونزيرفاتف هوم" أنها باتت في المرتبة السابعة من حيث الشعبية بين عشرة من رفاقها كان جينريك ثانيهم (51.0)، فيما لم تحقق هي سوى 31.0 نقطة.

لهذا التراجع السريع أسبابه، فهي حديثة العهد بالمناصب الكبيرة. كانت وزيرة دولة لبضع سنوات قبل أن تضمها ليز تراس إلى مجلس الوزراء في أيلول / سبتمبر 2022 حيث بقيت في ظل سوناك. ومهمتها صعبة، فثمة عراقيل بنيوية أبرزها أنها تقود منظمة شاخت وباتت نظمها في حاجة ماسة للتطوير.

الانقسامات بين أعضائه من أنصار الاتحاد الأوروبي الليبراليين وخصومهم المتطرفين جعلته أشبه بحلبة مصارعة لا تكاد تغلق أبوابها. لا يزال الشرخ قائماً وإن استفرد المتطرفون والأكثر تطرفاً بالميدان، لكن الأخطار الخارجية و"ظلم ذوي القربى" مشكلة كبيرة يعاني منها هو والزعيمة الجديدة.

النائب نايجل فاراج زعيم حزب "الإصلاح" خرج من رحم "المحافظين" بسبب عدائه لأوروبا. ولما احتكر الشارع اليمني، أجبر في 2016 ديفيد كاميرون رئيس الوزراء الأسبق على تنظيم استفتاء البريكست الذي لا تزال بريطانيا تدفع ضريبته. وهو الآن يضغط على زعيمتهم بنجاح، لكونه مسلحاً بدعم دونالد ترامب من جهة، وبتأييد مضمر حتى الآن من المحافظين أقطاب اليمين المتطرف، بمن فيهم أولئك الذين أفلسوا كتراس.

 حاولت بادينوك استمالة ترامب بتصريحات ودية وبتهانيها الحارة بعودته للبيت الأبيض، إلا أنه تجاهلها ودعا خصومها، فاراج وتراس وبرافرمان إلى حفل التنصيب. وسيد البيت الأبيض أثنى أخيراً على كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، الذي لا يكف إيلون ماسك، حليف ترامب المقرب، عن مهاجمته. إلا أن الرئيس الأميركي لا يزال غير متحمس لذكر "رفيقته" المحافظة. وإن بقيت في المرتبة الرابعة بين من يوليهم اهتمامه، لكان من شأن ذلك أن يرفع أسهم فاراج على حسابها. وقد يستقطب النائب الشعبوي حليفتيه برافرمان وتراس اللتين تحاولان إلى جانب اللورد ديفيد فروست، وزير البريكست الأسبق، تحقيق وحدة اندماجية بين"المحافظين" و"الإصلاح". إلا أن بادينوك ترفض بشدة ربما لخشيتها من أنه سيلتهمها هي وحزبها، وهي على حق ولا سيما أن "الإصلاح" بات يتقدم في استطلاعات الرأي على الأحزاب كلها بمن فيها "العمال".

أثارت الجدال بمطالبتها تارة بخفض رواتب المتقاعدين أكثر فئات المجتمع فقراً، وأخرى لتقليل التعويض الذي تتقاضاه المرأة العاملة بعد الوضع. ثم طرحت أفكاراً سطحية عن الساندويتش ومدى رداءته، مثلاً. بيد أن هذا لم يساعدها على تقليص الفجوة بين حزبها ومنافسيه، إلا أنها حاولت وتحاول الخروج بـ"المحافظين" من نفق الماضي القريب الذي هشم صورته، خصوصاً بسبب عدم الكفاءة التي أظهرتها تراس في ولايتها التي دامت 49 يوماً، والاستهتار بالقوانين والكذب وهو ما تجلى في فضيحة "بارتي غيت" من بطولة بوريس جونسون. الزعيمة الجديدة تدرك أن قول الحقيقة عن أداء حزبها في السلطة وتجديده، هما شرطان لازمان لإحراز أي قدر من التقدم على المسرح البريطاني. لذا بدأت تنتقد سياسات الحكومات السابقة، بما فيها تلك التي ساهمت بصناعتها، مثل البريكست نفسه. 

صحيح أنها كانت أكثر جرأة من ستارمر الذي لا يزال متردداً في معالجة "كارثة" خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكن لعلها تسرعت، لأن رفاقها الأشد تطرفاً يدعمهم الشعبوي فاراج صانع البريكست الحقيقي، لن يصفحوا لها. ونظراً لضآلة عدد النواب المحافظين (121 نائباً) لا يحتاج الانقلاب على زعيمته إلى أكثر من 15 نائباً يشكلون 20 في المئة من الجسم النيابي، لإجراء تصويت على تجريدها من الثقة. وإذا فشلت في الصمود في وجه المدّ الشعبوي الكاسح، قد يذوب "المحافظون" على الأغلب في "الإصلاح" تحت قيادة فاراج، وتُطوى صفحة أقدم أحزاب بريطانيا!