البطالة في الجزائر وآليات العلاج المنشود

كتاب النهار 28-01-2025 | 01:15
البطالة في الجزائر وآليات العلاج المنشود
الوكالة الوطنية المسؤولة عن التشغيل في حاجة ماسة إلى تغيير أساليب عملها، وإلى تحديث عمليات التنسيق مع وكالات التشغيل المحلية الفرعية المنتشرة عبر بلديات ومحافظات الوطن...
البطالة في الجزائر وآليات العلاج المنشود
تطبيق قوانين العمل والتقاعد والضمان الاجتماعي يخضع أحياناً للتحايل والتسويف (أ ف ب)
Smaller Bigger

ماذا يريد المسؤولون الجزائريون داخل أروقة مجلس المحاسبة، الذي يعتبر مؤسسة رقابة وطنية جزائرية مهمة، من وراء التقرير الذي كشفوا عنه هذا الأسبوع والخاص بمشكلة البطالة بين أوساط الشبان الجزائريين الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و40 سنة، وهل تستطيع هذه المؤسسة التابعة لرئاسة الجمهورية أن تفتح أفقاً جديداً يفضي إلى معالجة هذا المشكل الذي يقف عقبة أمام التنمية الوطنية العصرية، ويتسبب أيضاً في انتشار مظاهر نفسية واجتماعية سلبية بين أوساط هؤلاء الشبان والشابات؟ 

وفي الحقيقة، فقد انتظرت شريحة الشبان الجزائريين المصنفين رسمياً في خانة العاطلين من العمل، التفعيل الإيجابي للإجراءات التي من شأنها أن تحدث التغيير الجذري المنشود في أسلوب تعامل المؤسسات التابعة للحكومة الوصية معهم، سواء على صعيد رفع المنحة الشهرية التي يستفيد منها هؤلاء العاطلين، أو على صعيد وضع خريطة واقعية تضمن إدماجهم تدريجياً في عالم الشغل عن طريق خلق المناصب المالية في مختلف مؤسسات العمل. 

في هذا السياق، ورد في تقرير مجلس المحاسبة الذي اهتمت به وسائل الإعلام الوطنية هذا الأسبوع، أن علاج البطالة مشروط بالقضاء على عدة مشكلات لا تزال تقف حجرة عثرة أمام إيجاد الحل الراديكالي الذي يضمن إدماج العاطلين من العمل في مختلف المؤسسات الوطنية. 

وفي هذا الخصوص، يرى مراقبون متخصصون في شؤون تشغيل الشباب أن تحقيق الوثبة على طريق حل مشكل البطالة يتطلب سياسة وطنية جماعية، يشارك في تجديدها باستمرار ممثلو المجتمع المدني، وفي المقدمة المنظمات الجماهيرية مثل اتحاد العمال الجزائريين والأحزاب الجزائرية المعارضة والشخصيات الوطنية ذات الخبرة في شؤون التشغيل. وزيادة على ذلك هناك مقترحات أخرى منها مقترح إعادة النظر جذرياً في قرار سحب منحة البطالة من أي مستفيد منها من مواصلة دراسته.

وثمة من يدعو أيضاً إلى الإسراع في خلق المناصب المالية الضرورية على مستوى القطاع العام والقطاع الخاص معاً، بالتزامن مع مواصلة تفعيل آلية فتح أبواب معاهد التكوين المهني المختلفة بهدف تكوين هؤلاء العاطلين عن العمل في مختلف التخصصات التي يحتاج إليها المجتمع الجزائري وتطلبها مشاريع التنمية الوطنية.

 في هذا السياق يلاحظ أن الوكالة الوطنية المسؤولة عن التشغيل في حاجة ماسة إلى تغيير أساليب عملها، وإلى تحديث عمليات التنسيق مع وكالات التشغيل المحلية الفرعية المنتشرة عبر بلديات ومحافظات الوطن، وذلك لإعداد قوائم العاطلين عن العمل ومستواهم الدراسي وفئاتهم العمرية دورياً، وذلك لمعرفة أعدادهم في كل بلديات الوطن التي تقدر بــ 1548 بلدية.

وفي الواقع، فإن هذه الوكالة الوطنية للتشغيل وفروعها تعاني مجتمعة من عدة مشكلات تحدّ من فاعلية نشاطها، منها كثرة التدخلات من أطراف متنفذة عندما يظهر منصب عمل في هذه البلدية أو تلك الدائرة والمحافظة، بحيث ما فتئت تلعب هذه التدخلات التي تفرض من فوق دوراً سلبياً في إسناد الوظائف بطريقة غير عادلة. 

 وأكثر من ذلك يلاحظ العارفون بحيثيات أزمة البطالة التي تعاني منها الجزائر منذ سنوات، أن الوكالة الوطنية للتشغيل لا تملك الموارد المالية الكافية التي ينبغي أن تقدمها في صورة منح دراسية للشبات والشبان، بما يضمن لهم الدراسة الجادة في معاهد التكوين المهني في مختلف التخصصات التي تعتمد على ابتكارات التقنية والتكنولوجية. 

 وفي الواقع فإن وزارة التكوين المهني الجزائرية المسؤولة مباشرة على تكوين المهنيين الأكفاء حسب حاجيات الوطن، تسند غالباً إلى أشخاص ليست لهم خبرة في التكوين المهني وتقنياته وعلومه، الأمر الذي جعل هذه الوزارة منذ الاستقلال مجرد هيكل شبه ثانوي ضمن البنية العامة للمنظومة التعليمية الجزائرية، علماً أن العرف في العالم الحديث يعتبر مثل هذه الوزارة ومؤسساتها وإطاراتها بمثابة عصب التنمية وضمانة الدخول إلى فضاء الحداثة والعصرنة. 

في هذا السياق، ينبغي إعادة النظر في العلاقة القائمة بين الوكالة الوطنية للتشغيل وكل من وزارات التكوين المهني، والعمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، والمالية، والمنظمات الجماهيرية على نحو يضمن التنسيق الكامل لإنجاح عمليات القضاء على البطالة، وتحقيق التكوين العصري للعاطلين عن العمل الذي يضمن إدماجهم في سوق العمل بطرق سلسة.

 بالإضافة إلى ما تقدم، فقد سجّل مراقبون جزائريون متخصصون في قوانين الوظيفة العمومية أن تطبيق قوانين العمل وسلم الرواتب والتقاعد والضمان الاجتماعي، مثلاً، من طرف مؤسسات القطاع الخاص، يخضع من حين لآخر للتحايل والتسويف والتجاهل في ظل قلة تدخل مصالح الرقابة التابعة للدولة.