لبنان و... الصدمة السعودية!

كتاب النهار 25-01-2025 | 04:23
لبنان و... الصدمة السعودية!
إعادة إعمار لبنان ودعمه للنهوض من انهياره المالي- الاقتصادي، لن يكونا إلّا على قاعدة المسؤولية الوطنية...
لبنان و... الصدمة السعودية!
مساهمات الخارج في إعادة الإعمار تفترض احترام دفتر الشروط (حسام شبارو)
Smaller Bigger

ينظر لبنان عموماً وشيعته خصوصاً، منذ شهرين بذهول إلى حجم الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب التي تسبب بها “حزب الله”، بعد انضمامه، رغماً عن سائر اللبنانيين، إلى حرب "طوفان الأقصى” التي أعلنتها حركة "حماس” ضد إسرائيل من قطاع غزة.

ينظر الجميع إلى هذا الدمار، الذي يتطلب التخلص منه وتجاوز تداعياته المأسوية، ما يفوق خمسة مليارات دولار أميركي، وملؤهم الأمل في أن تتمكن الدولة اللبنانية التي كان قد جرى تغييبها عن قرار الحرب كليّاً، من إيجاد مصادر تمويل كافية ووافية لدى الدول الصديقة.

وانتظر الجميع بلهفة بالغة وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى لبنان، علّه يحمل معه تعهداً من بلاده بأن تسارع إلى تكرار ما كانت قد بادرت إليه، بسرعة لافتة، بعد انتهاء حرب تموز/ يوليو 2006، عندما وضعت مليارات الدولارات، في تصرف الدولة اللبنانية، لإعادة الإعمار هنا ودعم المصرف المركزي هناك.

لكنّ صدمة منتظري “المال السهل” كانت كبيرة، فأول وزير للخارجية السعودية يطأ أرض لبنان، منذ 15 سنة، لم يأتِ حاملاً معه لا دفتر الشيكات ولا الوعود به، بل جاء رافعاً مبدأً طالما تغاضى عنه المهيمنون على القرار اللبناني: إبنوا الدولة أوّلاً!

بناء الدولة الذي هو تمهيد لإعادة بناء ما دمّر يقوم، وفق ما بدا واضحاً في النهج السعودي، على تشكيل حكومة مؤهلة لإنجاز الإصلاحات الجدية وتطبيق القرارات الدولية وإعادة لبنان عودة لا لبس فيها إلى الحضن العربي وحل الميليشيات المسلحة.

وهذا يعني أنّ المطلوب من لبنان أن يتمكن من تنفيذ التعهدات التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزف عون في خطاب القسم والرئيس المكلف نواف سلام في "خطاب قبول التكليف”. وأتت زيارة بن فرحان لدعم التوجه المشترك لكل من عون وسلام، في هذا المجال.

الأهم في هذا السياق، أنّ الرياض تشكل البوابة التي يعبر منها الجميع في هذه المرحلة. فالرئاسة الفرنسية تصر على أن يكون لهذه العاصمة الخليجية الدور الرائد في لبنان. والولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تعتبرها ركيزة في الشرق الأوسط. ومجلس التعاون الخليجي لا يمكنه، بأي حال من الأحوال، تجاوز إرادة “الشقيقة الكبرى”!

وعليه، فإنّ إعادة إعمار لبنان ودعمه للنهوض من انهياره المالي- الاقتصادي، لن يكونا إلّا على قاعدة المسؤولية الوطنية، فالنزاع على الحقائب الوزارية والحصص، وهو المسبب الرئيس لتأخير ولادة الحكومة السلامية المنتظرة، سيمنع انطلاق ورشة إعادة الإعمار الملحّة، وسوف يبقي أبناء الطائفة الشيعية في الظلام، وثمة من يؤكد أنّ ذلك التأخير سوف يمدد بقاء الجيش الإسرائيلي في بعض المواقع الإستراتيجية داخل لبنان.

هناك من يروّج في المنتديات العربية والدولية بأنّ الإسراع في إعادة إعمار ما هدمته الحرب، من دون بناء سلطة لبنانية حقيقية وفاعلة ومستدامة، من شأنه تعويم “حزب الله”، وإعطاء إشارة إلى الشعب اللبناني، أنّ هذا الحزب يستطيع أن يدمّر ما دام العالم مستعداً أن يعمر. ولذلك، فإنّ هذا لن يحصل أإطلاقاً إذا لم يدفع هذا الفصيل التابع لإيران الثمن، طوعاً أو اضطراراً!

وهذه الحقيقة أصبحت واضحة للجميع، في ضوء الزيارة الخاطفة لوزير الخارجية السعودي إلى لبنان، فما من أحد يريد أن يفرض على الطبقة السياسية ما عليها أن تفعله، ولكن، في المقابل، لا يوجد أحد في لبنان يملك القدرة على إقناع أي مرجعية عربية أو دولية بأن تساعد لبنان إن لم يساعد نفسه.

إنّ مسؤولية إعادة إعمار لبنان، من حيث المبدأ، تقع على عاتق من اتخذ قرار الحرب، أي “حزب الله”، وهو عاجز عن ذلك، حتى لو حصل على دعم من إيران التي يواليها، ومن ثم تقع هذه المسؤولية على كاهل الدولة اللبنانية التي سمحت لهذا الحزب أن يعبث بمقدراتها، ولكنها دولة مفلسة.

ولهذا، فإنّ التطلع إلى مساهمات الخارج في إعادة الإعمار، يفترض احترام دفتر شروط واضحاً. صحيح أنّ “حزب الله” سوف يتضرر من مضامين دفتر الشروط هذا، ولكنّ الصحيح أكثر أنّ جميع اللبنانيين سوف يستفيدون كثيراً، فهم لن يتمكنوا والحالة هذه من الخروج من مآزقهم الإعمارية والمالية والإقتصادية فحسب، بل ستكون لديهم دولة، للمرة الأولى منذ بداية انهيارها عام 1975!