.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
فقط من أفسدت عليهم الحرب كل شيء "لن يعود بإمكانهم النسيان مهما حاولوا"، أما المتعطشون "للانتصارات"، ولو على حساب المدنيين العزل، فسيدوم دبكهم ورقصهم الأسبوع بأكمله.
في كانون الأول/ ديسمبر 1914، وعلى هامش الحرب العالمية الأولى، اصطدم الجيش العثماني الثالث بالجيش الروسي في ساريقاميش، وهي بلدة ضئيلة في شرقي الأناضول يسكنها 15 ألف نسمة.
دفع العثمانيون بـ90 ألف رجل في المعركة، فلقي 80 ألفاً، أو قرابة 88% منهم، حتفهم. وبينما سقط 30 ألفاً من هؤلاء، وهي نسبة ليست بالبسيطة، خلال القتال، فإن 45 ألفاً تقريباً قتلهم البرد القارس بصورة مذلّة، إذ لم تتوفر لهم الملابس الشتوية المناسبة، كما فتكت بهم أوبئة مثل التيفويد، وقضى 10 آلاف منهم نحبهم في المستشفيات. وحتى الجوع شارك في المجزرة، فالثلوج الغزيرة قطعت الطرق، وصعّبت نقل المؤن إلى الجنود، مما أضعفهم بشدّة.
خلال أقلّ من شهر، تكبّد العثمانيون أقسى هزائمهم في الحرب العالمية الأولى، بل إن ضابطاً في الجيش الألماني الحليف وصف معركة ساريقاميش بأنها "كارثة لا نظير لها في التاريخ العسكري بفضل تسارع وتيرتها وتكاملها!".
وعلى الرغم من أن التاريخ خلّد المصيبة التي حلّت بالجنود العثمانيين، فما لفتني حقاً هو تأثير الهزيمة النكراء على أهالي ساريقاميش.
طُبع في ذاكرتي حوار نقله الكاتب التركي سليمان كازماز مع عجوز طاعن في السن من ساريقاميش، وقد أُجري خلال أربعينيات القرن الماضي، أي بعد أكثر من عقدين من الزمن عن المعركة. سُئل العجوز عن أسباب انعدام رضا الناس في البلدة على الرغم من تطور معيشتهم من كل النواحي، خصوصاً المادية، فاعترف، "الحرب أفسدت كلّ شيء على الجميع... لم يعد بإمكانهم النسيان مهما حاولوا".
ولتبيان عمق الألم والصدمة، أضاف العجوز: "قبل الحرب، كانت أعراسنا تدوم أسبوعاً كاملاً، ومنذ الحرب، فقدت أعراسنا كل بهجتها".
بالطبع، مدنيو ساريقاميش لم يُقصفوا بالفوسفور الأبيض، ولم تُسلّط الطائرات من دون طيار على جرحاهم لتصفيتهم، ولم يُسحقوا تحت الدبابات، ولم تُستهدف مستشفياتهم ليُحرقوا على أسرّة المرض، ولم يُمنع دخول الإغاثة إليهم، ولم تغرقهم مياه الأمطار في الخيام، ولم يُعتقل أطفالهم.
وعلى الرغم من ذلك، فقد عجزوا عن النسيان. حتى أعراسهم، المصدر الأبرز والأصدق للمتعة في القرى البسيطة، لم تعد قط مثلما كانت.
لا شك في أن العجوز الساريقاميشي توفي منذ زمن بعيد، ولكنه لو عاش ليشهد حرب غزة، فأتخيّله سيتساءل كيف أنّ الإخوة العرب، الذين "فقدوا بهجتهم" على مدار العام الماضي، استطاعوا أن يهبوا من فورهم لإقامة الأفراح والليالي الملاح والمسيرات احتفالاً بوقف إطلاق النار. أتخيّله يتساءل كيف قدروا على التعامل مع إعلان "انتصار غزة" وكأنه خاصية "إلغاء الفعل" السحرية على لوحة مفاتيح الكمبيوتر، والتي تمحو كلّ ما حدث.
أتخيّله يؤكد -من واقع خبرته المريرة- أنه فقط من أفسدت عليهم الحرب كل شيء "لن يعود بإمكانهم النسيان مهما حاولوا"، أما المتعطشون "للانتصارات"، ولو على حساب المدنيين العزل، فسيدوم دبكهم ورقصهم الأسبوع بأكمله.