تنظيم "داعش"... عودة محتملة في البقاع السورية

كتاب النهار 12-01-2025 | 16:55
تنظيم "داعش"... عودة محتملة في البقاع السورية

تخوفات المسؤولين الأميركيين والغربيين، من حالة الارتداد الداعشية، قائمة على معلومات موثقة...

تنظيم "داعش"... عودة محتملة في البقاع السورية
ثمة عوامل تعزز عودة تنظيم "داعش" إلى المشهد (أ ف ب)
Smaller Bigger

ثمة عوامل تدفع إلى احتمال إعادة إنتاج تنظيم "داعش"، في ظل حالة التدافع السياسي والعسكري في الداخل السوري، وتعدد الأطراف الفاعلة ما بين "هيئة تحرير الشام"، و"قوات سوريا الديموقراطية"، و"حزب العمال الكردستاني"، وقوات "الجيش التركي"، وخاصة أن التنظيم تمكن من الاحتفاظ بعدد من خلاياه الكامنة، رغم انهياره في الإطار الجغرافي، التي تُقدر بــ2500 مقاتل، وفق تقرير القيادة المركزية الأميركية في تموز/ يوليو الماضي، فضلاً عن قدراته المتناهية على استغلال الفراغ الأمني في بناء هياكله المتهالكة، وتفعيل وتيرة العمليات الإرهابية المسلحة مرة أخرى.

في مقدمة هذه العوامل، توسيع التنظيم نفوذه وتموضعه في البادية السورية خلال المرحلة الأخيرة، وتغيير خريطة أهدافه النوعية وخروجه من حالة "الكمون التنظيمي"، وتحركه وفق استراتيجية "حرب العصابات" وتكتيك "قطع الطرق" أمام التدهور الأمني، مواكبة مع التراجع في سياسات "مكافحة الإرهاب"، في ظل التوهم بسقوط التنظيم في آذار/ مارس 2019، وخسارته للجغرافيا السياسية، وتجاهل بقاء وتمدد فكرته الأيديولوجية، واستمرار تمركز فلوله في الدروب الصحراوية بالقرب من الحدود العراقية.

من دون شك ساعدت التضاريس المعقّدة من الصحراء والجبال، تنظيم "داعش" في عمليات التمويه والاختباء، وإنشاء مناطق تدريباته العسكرية والتربوية، والحفاظ كذلك على خطوط دعمه لوجستياً على المستوى الداخلي والخارجي، وتمدد شبكاته المشبوهة للتهريب ما بين الحدود التركية وجغرافيا الصحراء الوسطى، والصحراء العراقية، ووصولاً إلى جبال حمرين ومناطق مخمور العراقية، مع عدم تجاهل ملاذاته الآمنة في دير الزور، والرقة والسويداء، بعيداً من أعين "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد)، فضلاً عن وجوده في محافظتَي الأنبار ونينوى، وأقسام من كركوك وديالى وصلاح الدين في العراق.

ومن ضمن عوامل إعادة إنتاج تنظيم "داعش"، مساعيه في تحرير مقاتليه، في ظل الهجمات التركية على مناطق وسجون "قوات سوريا الديموقراطية"، التي يقبع فيها معظم قياداته، ما يمنحهم فرصة الهروب من قبضتها، وخاصة أن التنظيم ينفذ سيناريوهات "اقتحام السجون" في إطار عقيدة راسخة، تحت لافتات متعددة مثل "استراتيجية هدم الأسوار"، أو "فك العاني" (تحرير الأسير)، وتدور جميعها حول طرق تهرب العناصر التكفيرية من داخل السجون، وفقاً لمرجعية شرعية صاغها عدد من رموز تيارات السلفية الجهادية، أمثال "أبو جندل الأزدي"، أو فارس بن أحمد آل شويل الزهراني، المنظر الشرعي لتنظيم "القاعدة"، الذي نُفذ فيه حكم الإعدام في شباط/ فبراير 2016، بالمملكة العربية السعودية.

وقد نفذ التنظيم 22 عملية استهدفت السجون التي تحولت إلى مسرح للهجمات المميتة في البقع الجغرافية التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديموقراطية"، مثلما فعل في واقعة تهريب عناصره المحتجزين في سجن "غويران"، في آب/ أغسطس 2023، الذين يقدر عددهم بأكثر من 5000 تكفيري، ما أدّى إلى مقتل أكثر من 180 داعشياً، و 120 عنصراً من قوات "قسد"، وواقعة الهجوم على "سجن الصناعة" بمدينة الحسكة، في 20 كانون الثاني/ يناير2022، الذي استمر لمدة 9 أيام متصلة، وأدّى إلى مقتل 100 من عناصر التنظيم، وقرابة 140 عنصراً من قوات "قسد"، في إطار الاعتماد على استراتيجية "الذئب المنفلت" التي  ترتكز على الهجوم المباغت بهدف تحرير المقاتلين، وضرب صفوف العدو، واغتنام الأسلحة دون السيطرة على الأرض، وذلك وفق بيانات شركة الأبحاث "جهاد أناليتكس" المتخصصة في تحليل أنشطة الجماعات الأصولية.

ثالث العوامل التي تعزز عودة تنظيم "داعش" إلى المشهد، قدرته على استثمار روافده الموجودة في مخيمات "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد)، وتتنوّع ما بين النساء والأطفال، والتي تمتلك مساحة كبيرة في تمدد ونقل وبقاء مشروعه الفكري، في ظل فشل تفكيك البنية الفكرية وتأهيل أي من نساء التنظيم، بجانب اعتمادهن وتركيزهن على برامج "أشبال الخلافة"، أو "جيل التمكين"، سواء خارج أو داخل "مخيم الهول" أو "مخيم روج"، التي تضم أكثر من 70  ألفاً من عوائل التنظيم، باعتبار أن المكوّن الطفولي يمثل مخزوناً استراتيجياً في حال تدريبه وتأهيله بدنياً وفكرياً بما يتوافق مع الأطر والتوجهات الأصولية المتطرفة.

يضاف إلى تلك العوامل التي تعمل على استمرارية استراتيجية تنظيم "داعش"، فرصة اشتعال "الانقسامات الطائفية"، والخلافات بين الفصائل الأصولية المسلحة التي تتنوع ما بين المنهجية الفكرية القاعدية والداعشية، وغياب رؤيتها السياسية، والتي تعمل في إطار أجندة المصالح الإقليمية ما بين التركية والإيرانية والروسية، فضلاً عن انهيار الوضع الاقتصادي والمعيشي، وتدهور الخدمات الأساسية في الكثير من مناطق البلاد، ما يدفع إلى كسب الدعم واستدراج المُنتسبين الجدد، وبناء القواعد والخلايا في المناطق الحضرية.

تخوفات المسؤولين الأميركيين والغربيين من حالة الارتداد الداعشية، قائمة على معلومات موثقة، وفق ما نُشر على موقع وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون"، من أن تنظيم "داعش" لم يعد "يحكم أراضي"، لكن الأيديولوجية التي يتبناها لا تزال قائمة، وهناك حاجة إلى التحالف الدولي في وضع خطط استراتيجيات تستهدف مواجهة تمدد التنظيم فكرياً وأمنياً.

عدم القدرة على إنهاء وتجفيف منابع تنظيم "داعش" على المستوى الفكري والحركي، والتخلص من أيديولوجية "السلفية الجهادية" التي تنحدر منها مختلف النسخ التنظيمية الأصولية الجديدة، يدفع بالمنطقة، لا الدولة السورية فقط، إلى نفق السيناريوهات المفتوحة، وتعقيدات المشهد الأمني والسياسي، في ظل التحولات في المفاهيم الراسخة والمتجذرة للهوية الثقافية والاجتماعية.