.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
"نطل اليوم لسرد حكاية ألفي عام من وجودنا في هذه الأرض، في هذا الشرق. نطل من المريمية لنقول نحن المسيحيين، إننا حنطة المسيح في هذا الشرق. نحن من هذه الأرض التي تعجن من قمحها خبز الشرق للباري، نحن من هدير الأردن، ومن ثلج حرمون، من أرز لبنان، ومن دمشق بولس وحنانيا، ومن بيروت وصور وصيدا، نحن من طرابلس التي تقبّل جبين حمص، ومن عكار التي تضم سوريا ولبنان إلى قلب واحد(...)".
البطريرك يوحنا العاشر
كلما هبّت في المنطقة رياح الهبوب، ظهر على متن العاصفة عنوان مسيحيي الشرق. تُطرح المسألة دائماً كأنهم وافدون من أراضِ بعيدة، وينتمون إلى حضارات أخرى، وثقافات معادية. وإذا ما أيَّدتهم جماعة، فعلت ذلك بداعي الشفقة، وليس بشجاعة الحق واعترافاً بصاحب الأرض وأهل التاريخ.
أثار التغيير الهائل الذي جرى في سوريا مرة أخرى، المسألة المسيحية في المشرق العربي. وقد تعرض المسيحيون في العراق منذ الأربعينيات، لموجات اضطهاد وتهجير، تزامنت مع التغيير في أنظمة الحكم. وفي مناخات مشابهة جرت موجات هجرة كبرى من سوريا ولبنان ومصر وفلسطين. وانخفض عدد المسيحيين إلى مستويات ديموغرافية لا سابق لها في منطقة نشأت فيها المسيحية، ومنها انطلقت لتصبح أكبر طائفة في العالم، أسسها فتى نجار من الناصرة في الرابعة عشرة، وأطلقها في الإمبراطورية الرومانية صياد سمك من الجليل، ثم أصبح هو صخرتها أيضاً.
في كل فصولها، من مذود بيت لحم إلى درب الجلجلة، المسيحية هي أهم ملاحم الإنسانية. التي سبقتها، كانت صراعات بين آلهة أقرب إلى رؤساء القبائل وفاتنات القدرة الإغريقية. جاء المسيح حاملاً رسالة الإله الواحد، مبشراً، ثم فادياً، لكنه إذ تأمل في البشر الذين جاء يخلصهم، شعر بالخوف والحزن، وتطلع إلى السماء هاتفاً: "مملكتي ليست من هذا العالم".
قبل أن يُفجع عيسى بن مريم بظاهرة يوضاس، ولص اليمين، وتخاذل بيلاطس، وشكوك سمعان، ودناءة الفريسيين، كان العهد القديم قد روى لنا حكاية الخلق على نحو شديد الالتباس والتعقيد. فمن الصورة العامة تطل أفعى تتسبب بطرد آدام من الفردوس، ولا يبقى ستر لأمنا حواء سوى ورقة تين. لكن الأهم من كل ذلك النزاع بين نجلي سيدنا آدم، قايين (قابيل) وهابيل. القاتل الشرير قتل أخاه الطيب. إذاً نحن ذرية من؟
إذا تأملنا قليلاً في أحوال الدنيا، لا يبقى شك في أن هذا العالم ليس مملكة المسيح. والأرجح أيضاً أن سلالة قابيل هي الطاغية.
لسنا في صدد درس لاهوتي. قبل فترة طرح علينا مسيحيو هذا الزمن فكرة "تحالف الأقليات"، ولكن متى كان ابن الأرض وصاحبها ومالكها أقلية في لبنان وإرثه وتاريخه؟ بعد تقزيم فكرة لبنان، وتسليعه وبيعه قضاء في محافظة براد، الآن تطفيش ما بقي من "مسيحيي الشرق". المأساة الكبرى أن مصاب مسيحيي الشرق، فيهم وفي سيرتهم، وفي خلوها وقحطها، ومحلها من أي أثر مسيحي. كان للشرق مسيحيوه عندما كانوا أهل الفكر والثقافة، وحراس اللغة وفقهاء العروبة، وإمامة تراثها.
اتركوا المسيحية للمسيحيين، وأكملوا أنتم الاقتراع على الثوب.