ما بعد الجهادية السورية

كتاب النهار 06-01-2025 | 05:10
ما بعد الجهادية السورية

سيعتمد مسار ما بعد الجهادية –في سوريا أو في غيرها- على عوامل مختلفة، بما في ذلك التطورات الجيوسياسية، وقدرة القيادة على إقناع القواعد بالتحولات الضرورية...

ما بعد الجهادية السورية
قد يندمج الجهاديون السابقون بشكل متزايد في المجتمع السائد (أ ف ب)
Smaller Bigger

لا يمكن إنكار الحيرة العامة تجاه "هيئة تحرير الشام" وقائدها أحمد الشرع، أبي محمد الجولاني سابقاً. هل نحن إزاء تحوّلٍ فكريّ أم هي مجرد انحناءة أمام الشرط الدولي والمحلي الذي وجدت الجماعة الجهادية نفسها فيه بوصفها حاكماً لإحدى أهمّ العواصم العربية محوريةً. لكننا -في جميع الأحوال- أمام نموذج ما بعد جهادي، يتجاوز أشكال وطبيعة الجهادية العالمية والمحلية كما تشكّلت منذ الجهاد الأفغاني، برعاية غربية وعربية، ثم تطوّرت خارج حواضنها الرسمية وفي مواجهتها منذ منتصف التسعينيات.

ومنذ مطلع القرن الحالي، ظهرت ظاهرة جديدة ومعقّدة تُعرف باسم "ما بعد الجهادية". ربما دشّنتها مراجعات الجماعات الجهادية في مصر. يُشير هذا المصطلح إلى مرحلة يُعيد فيها العديد من الأفراد والحركات المرتبطة بالجهادية تقييم أهدافهم وأساليبهم وإيديولوجياتهم في سياق التغيرات الجيوسياسية والاجتماعية والثقافية الأوسع، والتحول نحو أشكال أخرى من النشاط أو التخلّي عنه تماماً. على عكس النسخ السابقة من الجهادية، التي ركّزت على العمل المسلّح كوسيلة لإقامة دولة إسلامية أو مواجهة الأعداء المفترضين، تتضمن ما بعد الجهادية غالباً خيبة أمل إيديولوجية أو تكيّفاً براغماتياً أو تحوّلاً إلى حركات اجتماعية وسياسية، في جوهرها، تمثّل تفكّكاً وتطوراً في الرواية الجهادية للوجود. لكن هذه الظاهرة ليست متجانسة. تتبنى بعض المجموعات استراتيجيات غير عنيفة لتحقيق أهداف مشابهة، مع التركيز على النشاط المجتمعي والمشاركة السياسية، بينما يتخلّى آخرون عن إيديولوجياتهم السابقة بالكامل بسبب خيبة الأمل من واقع الصراعات المستمرّة وفشل تحقيق نجاح دائم.

فقد  أدى فشل الحركات الجهادية في تحقيق نجاح طويل الأمد إلى تشكيك العديد من الأتباع في فاعلية وأخلاقية العنف. كذلك خلقت الخلافات حول الاستراتيجيات والأهداف وتفسيرات التعاليم الإسلامية شقوقاً دفعت بعض الفصائل إلى التخلّي عن القتال. وبلا شك، أضعفت الحملات المحلية والعالمية لمكافحة الإرهاب بشكل كبير الشبكات الجهادية، ممّا عطّل عملياتها وأضعف جاذبيتها. كذلك شكّل صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) نقطة تحوّل. فقد جذبت أساليب التنظيم الوحشية وطموحاته الإقليمية وإيديولوجيته الأبوكاليبسية اهتماماً ودعماً غير مسبوقين، لكنها أيضاً زادت من الانقسامات الداخلية في داخل عوالم الجهادية. ومع فقدان داعش لخلافته الإقليمية، بدأ العديد من المقاتلين والداعمين المحبطين إعادة تقييم التزاماتهم. لكننا في الحالة السورية الراهنة نجد أن الحركات الجهادية لم تفشل في تحقيق هدفها، رغم الخلافات التي شقتها، ورغم الضغط الدولي والإقليمي، ومع ذلك لم تحافظ على طبيعتها الصلبة. وهنا يبرز عامل مهم ربما يكون مفسراً لهذه المابعدية وهو القطيعة الجيلية، حيث قد تتبنى الأجيال الشابة التي تعرّضت لواقع الحركات الجهادية نهجاً أكثر براغماتية، يدفعها لتجاوز الإيديولوجيات الجامدة لأسلافهما لصالح أشكال بديلة من التنظيم والنشاط والمضمون الفكريّ.

سيعتمد مسار ما بعد الجهادية –في سوريا أو في غيرها من الساحات- على عوامل مختلفة، بما في ذلك التطورات الجيوسياسية، وقدرة القيادة على إقناع القواعد بالتحولات الضرورية، حيث قد يندمج الجهاديون السابقون بشكل متزايد في المجتمع السائد، في مقابل احتمال أن يعود قطاع آخر إلى العنف، أو قد تتبنى بعض المجموعات نهجاً هجيناً يجمع ما بين المشاركة السياسية والتكتيكات التمرّدية منخفضة المستوى للحفاظ على الصلة مع قاعدتها الاجتماعية. وربما يكون من المفيد هنا أن تجرى دراسات أكثر تعمقاً لظواهر ما بعد جهادية خاصّة بالنسبة إلى الجماعات، كحالة الجماعة الليبية المقاتلة بقيادة عبد الحكيم بلحاج، وحركة طالبان في وضعها الجديد، لإجراء مقارنة ولتحديد طبيعة التحوّل وعمقه، في سبيل فهم الظاهرة السورية المحيّرة.

لكن من خلال منظور أوسع، ربما تكون "المابعد جهادية السورية" هي الحلقة الأخيرة في مسلسل تمرّد الجهادية ضد حواضنها العالمية والإقليمية منذ ثلاثة عقود، أي عودة الجهادية إلى تحالفها الأساسي مع التيارات السائدة محلياً ودولياً كما بدأت في أفغانستان قبل عقود متحالفةً مع الغرب ضد السوفيات، وخروجها من نزعتها الأممية التمرّدية التي هندسها وقادها الثنائي بن لادن–الظواهري في تنظيم القاعدة، وبلغت ذروتها خلال العشرية الأولى من القرن الحالي بين هجمات أيلول (سبتمبر) 2001 والثورات العربية 2011.