حرب القمصان البالية

كتاب النهار 04-01-2025 | 03:10
حرب القمصان البالية
المنسوجات المتهالكة "كتيبة" أخرى في حرب الإبادة الشاملة ضد كل ما هو فلسطيني... بهوائه ومائه وتربته. 
حرب القمصان البالية
أقل من 1% فقط من الملابس المُستهلكة يُعاد تدويرها
Smaller Bigger

يعترينا نحن محبي البيئة، والمهتمين بالقضايا الإيكولوجية، شعور موحد بالغدر، إذ يتبين لنا، على اختلاف مدننا ودولنا، أن الكثير من المنشآت والمنظمات والشركات التي تجمع ألبستنا القديمة بقصد إعادة استخدامها، أو إعادة تدويرها إلى ألبسة جديدة، لا تفي بوعودها لنا. ولكم أن تتخيّلوا أن أقلّ من 1% فقط من الملابس المُستهلكة في العالم يُعاد تدويرها إلى ألبسة. 

ولقد أجادت منظمة "تشنجينغ ماركتس فاونديشن" غير الربحية بالكشف عن هذا التقصير من خلال الدراسة التي أجرتها في 2023، حين تتبّعت قطعاً من الألبسة المُتبرع بها لإعادة تدويرها في بريطانيا، فاكتشفت أن مصير أكثر من 75% منها كان إحراقها، أو دفنها، أو تحويلها إلى خُرق، أو رميها في مكبّات المنسوجات، التي ترتفع مثل الجبال في الدول الأفريقية والآسيوية والأميركية الجنوبية النامية.

ولأن الظاهرة عالمية، فإنها تتكرر بحذافيرها في إسرائيل أيضاً. تتبعت منظمة "غرين بيس إسرائيل"، على مدار 10 أشهر، 24 قطعة من الألبسة المُتبرع بها لإعادة استخدامها أو إعادة تدويرها في إسرائيل، فكانت النتيجة متوقعة: لم يتم إعادة استخدام، أو إعادة تدوير، أي منها. والعنصر الأقلّ مفاجأة هو أن 11 قطعة، أي نحو نصف العيّنة، أُلقيت على كاهل القارة الأفريقية، وعلى دول مثل توغو وبوركينا فاسو وغانا، التي تنال نصيب الأسد من المنسوجات الإسرائيلية المُستهلكة.

وكان الصادم بالنسبة لي شخصياً هو أن العديد من القطع، التي حُكم عليها بالرمي في مكبات النفايات، أو الإحراق، أو الدفن، ذهبت تحديداً لتلويث البيئة العربية الفلسطينية بهوائها ومائها وتربتها. فمن أصل 24 قطعة، انتهى المطاف بواحدة في غزة المنكوبة، و3 في الضفة الغربية، منها واحدة في نابلس على وجه الخصوص، وقطعة في طوبة زنجرية، وهي قرية عربية بدوية في شمالي إسرائيل.

بكلمات أخرى، وجدت المدن والبلدات الفلسطينية، وشقيقتها العربية في إسرائيل، نفسها مسؤولة عن التخلّص من خُمس العيّنة المذكورة من "نفايات" الإسرائيليين من المنسوجات. 

قطعتان فقط "سمح" لهما بتلويث "البيئة الإسرائيلية"، والبيئة الإسرائيلية -كما رأينا- لا تشمل البلدات والقرى العربية مثل طوبة زنجرية، فقطعة استقرت في مصنع للكيمياويات بمحاذاة البحر الميت، وأخرى في مركز لمعالجة النفايات بقرب تل أبيب.

قد تبدو القضية تافهة لبعض القرّاء، وليست بالفضيحة الحقيقية. فأي ضرر إيكولوجي سيحدثه دفن المنسوجات، أو تكويمها، أو إضرام النيران فيها، ضمن حدود المدن والبلدات العربية، مقارنة بما يصنعه العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث بات الفوسفور الأبيض المحرّم دولياً، والذي قُصف به القطاع، يُهدد بتلويث الأنهار ومصادر المياه الجوفية، وتسميم البيئة البحرية!

إنها ليست سوى قمصان وبناطيل بالية للبعض، لا تستحق الملاحظة، ناهيك بالغضب والاستنكار. ولكن بالنسبة لي، فتلك المنسوجات المتهالكة "كتيبة" أخرى في حرب الإبادة الشاملة ضد كل ما هو فلسطيني... بهوائه ومائه وتربته.