.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ستغدو أشد الخيبات وأثقلها وطأة إن انصرم التاسع من كانون الثاني (يناير) اللبناني من دون صعود الدخان الأبيض من البرلمان الذي سجل رقماً قياسياً في الإخفاقات والتقاعد المتعمد تحت عنوان الفراغ الرئاسي والتعطيل، الذي كان سمة أفضال "محور الممانعة" في عز غطرسته.
لا نطرح معادلة الاحتمال السلبي سلفاً إلا من واقع معايشة اللبنانيين لأشهر الأقوال الشعبية "لماذا تنفخ اللبن؟ لأن الحليب كواني"، بمعنى إدمان اللبنانيين الإخفاقات والإحباطات والكوارث المتأتية على أيدي طبقتهم السياسية، وغالباً في مواقيت وأزمان تراءت لهم فيها فرص نادرة للتغيير وما بدّلوا تبديلا…
ليست المرة الأولى المزعومة التي يتردد فيها مصطلح يدغدغ مشاعر اللبنانيين ويجتذب اهتمام الدول المعنية بلبنان ويحول أجنداتها إلى مشاريع دعم للبلد، الذي لم يفقد جوهر حقيقته وتركيبته الواجبة الوجود في الشرق الأوسط. كثيرة وأكثر من أن تحصر هي الخيبات الكبرى على المستوى "الوطني" الشامل، والتي سقط بعدها لبنان في شرور فقدان الفرص التي غالباً ما تكون أعمارها خاطفة. ولكن الفرصة السانحة الآن، ومطلعها تلك الجلسة "التاريخية" المفترضة في 9 كانون الثاني لإنهاء فراغ رئاسي، وطيّ عصر تعطيلي، وفتح الثغرة العملاقة الأكبر في تاريخ تبديل مسار قاتم متعثر تراكمت فيه وعليه الكوارث من شتى صنوفها على نحو خيالي وقياسي منذ فجر عصر الطائف، هذه الفرصة ستشكل أهم وأخطر الاستحقاقات إطلاقاً في وجهيه: إيجاباً إذا انتُخب رئيس لبنان للسنوات الست المقبلة، وسلباً إذا أخفق البرلمان اللبناني تكراراً في الانتخاب.
وعدوا الناس بأن الظروف والأحداث والتطورات التاريخية التي تعاقبت بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان والنهاية المدوّية للنظام البعثي الأسدي في سوريا فتحت للبنان منافذ فجر لن يكون أقل من عصر تأسيسي تغييري، بعد طول قمع للديموقراطية اللبنانية بخصائصها النادرة في منطقة لا تعرف سوى الديكتاتوريات في الأنظمة العربية والتيوقراطية، مثل إيران أو الدولة النموذج في العنصرية أي إسرائيل. لكن لبنان يخرج من تجارب التعطيل المؤسساتي والعبث السلطوي المديد بخصائصه الجوهرية مترنحاً إلى حدود الموت السريري لديموقراطيته الضحية، التي قد تكون الأقرب إلى الناجين بآخر أنفاسهم من معتقلات العار البشري في سوريا بعد سقوط طاغية الشام.
هذه الديموقراطية أمعنت في تسميمها ممارسات كانت أشبه بالاغتيال البطيء المتدرج من خلال تعطيل الأصول والقواعد الديموقراطية الراقية والأصيلة، واسترهان النظام والمؤسسات لميزان قوى قاهر يستقوي بترسانة سلاح وارتباط إقليمي قاتلين لجوهر لبنان.
وإذا كان لموعد 9 كانون الثاني أن يشكل فعلاً ذاك العنوان المدوي التاريخي لاسترداد الديموقراطية اللبنانية من معتقلها المزمن المخيف، وإعادتها إلى تألق حقيقي من شأنه أن يطلق العنان لمسار تغييري جوهري في لبنان، فلن يكون ذلك عبر الصيغ التقليدية البائدة التي يتردد صداها وتتسرب معطياتها الآن وسط نفاد متسارع للعد العكسي لجلسة 9 كانون الثاني.
عادت أنغام "التوافق" القسري بل الإجماعي تطرح كشرط قسري لتمرير انتخاب الرئيس العتيد أو لا رئيس، وإلا اعتُبر الرئيس الذي يصل بأكثرية عادية أي النصف زائداً واحداً رئيس تحدّ واستفزاز لا يفترض انتخابه. فأي فجر هذا الذي يعدون به اللبنانيين؟ ولماذا ومتى لا تطلق أصول الديموقراطية على حقيقتها في جلسة تاريخيّة حقيقية تشعل التنافس ويخرج منها رئيس بأكثرية الأصوات القليلة الحاسمة؟ ليكن الرئيس بعد معركة انتخابية وإلا لن يكون ذاك الرئيس الواعد، وعبثاً التكاذب في مواصفات "الفجر" الخادع حينذاك.