.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
التجربة الإسبانية تثبت أن ليس بالضرورة أن تقوم عملية الانتقال نحو الديموقراطية وفق قواعد اللعبة الصفرية...
تعيش سوريا مرحلة دقيقة وخطيرة من تاريخها المعاصر، ذلك أن إنجاز إنهاء نظام أسرة الأسد يجب ألا يخفي المخاطر التي تحيط بسوريا، في ظل غياب رؤية واضحة لرسم ملامح المستقبل واستمرار سلطة الأمر الواقع في وضع الترتيبات الأمنية والعسكرية والسياسية، بل وحتى تقدير عمر المرحلة الانتقالية والتاريخ الممكن لإجراء انتخابات تنافسية تفرز السلطة التي ستحكم السوريين. بالتأكيد، المرحلة دقيقة جداً والتهديدات الداخلية والخارجية جدية ودقيقة للغاية، ما يعطي الأولوية تلقائياً للقضايا الأمنية والعسكرية، لكن وبكل يقين هناك خيط رفيع جداً أيضاً، بين جدية التهديدات وتوظيفها لتأبيد الأمر الواقع بما يشكله ذلك من خطر إعادة استنساخ تجربة عائلة الأسد.
في هذا السياق، لا بد أن نستحضر تجربة إسبانيا في الانتقال الديموقراطي، والتي قامت على غبار حرب أهلية طاحنة خلفت وراءها أكبر المقابر الجماعية التي اكتُشفت في العالم إلى اليوم.
مثلت تجربة الانتقال الديموقراطي في إسبانيا واحداً من النماذج التي استأثرت باهتمام السياسيين والأكاديميين من مختلف دول العالم، وتحولت إلى موضوع بحوث خاصة في علم السياسة وعلم الانتقال الديموقراطي، كما تحولت لدى كثير من الفاعلين السياسيين في الدول التي تعرف تعثراً في بناء الديموقراطية، إلى "براديغم" مثالي يسعون إلى تطبيقه في بلدانهم. وقد شكل "الربيع العربي" فرصة أخرى لاستحضار التجربة الإسبانية في سياق المرحلة الانتقالية التي عرفتها كل من تونس ومصر وليبيا وما تعرفه اليوم سوريا، كما أن التجربة الإسبانية كانت ملهمة للتحولات التي عرفتها أوروبا الشرقية بعد انهيار جدار برلين، وشكلت نموذجاً لتجارب الانتقال في أميركا الجنوبية.
سعى مسلسل الانتقال الديموقراطي في إسبانيا من جهة إلى تحديث الدولة، وهي تتجه نحو المستقبل وإدماجها بأوروبا وتحقيق التنمية الاقتصادية، ومن جهة أخرى إغلاق التاريخ الأسود لإسبانيا متمثلاً بالحرب الأهلية وتركتها، وهي التي قسمت البلاد في ظل أربعين سنة من حكم الديكتاتور فرانكو. من زاوية النظر هاته يمكن القول، إن الانتقال الديموقراطي شكل مصدراً لشرعية النظام السياسي الإسباني ولتحديث الدولة الإسبانية وللازدهار الذي تعرفه.
لقد امتدت التجربة الإسبانية في الانتقال من سنة 1975 تاريخ وفاة فرانكو إلى سنة 1982 التي تحقق فيها التناوب السياسي بعد وصول الحزب الاشتراكي (PSOE) بزعامة فليبي غونزاليس (1974-1997) إلى الحكم على إثر فوزه بالانتخابات، معلناً عودة الاشتراكيين إلى السلطة بعد غيابهم عنها منذ الجمهورية الإسبانية الثانية، مروراً بسنة 1978 التي اتسمت مفاوضاتها باعتدال جميع الأطراف، وهو ما مكنها من التوافق على الدستور الذي أقرّ دولة الجهات وقطع مع مخلفات الحرب الأهلية ومرحلة الحكم الديكتاتوري، وبصفة خاصة بعد فشل المحاولة الانقلابية في 23 شباط (فبراير) 1981 التي أعلنت موت آخر قلاع مقاومة التغيير الديموقراطي من بقايا عهد فرانكو، علماً أن هناك من يتحدث عن محاولات انقلابية غير تلك المحاولة، بل يمكن القول إن التجربة الإسبانية أثبتت نجاحها بصفة كاملة عندما خسر الحزب الاشتراكي انتخابات سنة 1996 التي فاز فيها الحزب الشعبي (PP) المحسوب تقليدياً على إرث فرانكو، بزعامة خوسي ماريا أثنار.
يقول دون طوركواتو فيرنانديث ميراندا رئيس الكورتيس ومربي الملك خوان كارلوس، إنه "سهل الأمر على تلميذه، الذي وضعت الأقدار في يده فرصة التصرف بمصير إسبانيا، بأن أفتى له بأنه إذا كانت مبادئ "الموفيمينتو" قانوناً، فإن القانون يتم تغييره بقانون غيره"، وباستيعاب هذه المقولة سقطت تفاحة نيوتن، وأقبل الملك على سن قوانين جديدة استناداً إلى شرعية القوانين التي أقامها فرانكو، فعملية الانتقال الديموقراطي بإسبانيا هي عملية سياسية متناقضة إلى حد ما، لأنه يوجد نوع من الفارق أو الاختلاف بين الشكل الذي تحققت به ومحتوى هذه العملية في حد ذاتها، وذلك لأن الآليات المؤسسية التي غيرت الدولة الإسبانية احترمت من حيث الشكل أسس الشرعية التي قام عليها نظام فرانكو.
ومع ذلك، إذا اعتمدنا الإصلاحات كمرجع، فإنه لا يمكننا الحديث عن تغيير النظام السياسي، بل عن تحول كلي في القواعد الأيديولوجية والهياكل التي تقوم عليها مؤسسات الدولة، لذلك من الضروري الانتباه إلى جوانب معينة من تلك العملية خاصة:
- ضرورتها، لأن النظام السياسي السابق لم يتكيف مع حاجيات مجتمع خضع لتغييرات عميقة، ولأن قادة ما بعد فرانكو، وبصفة خاصة الملك، كانوا بحاجة إلى شرعية ديموقراطية يفتقرون إليها.
- كانت مطلباً مجتمعياً، فالاحتجاج الاجتماعي ضد النظام الديكتاتوري كان قوياً، إذ فشلت الآليات القمعية في السيطرة على مجتمع يتغير ويتطور.
- طابعها التفاوضي، لأنها كانت ثمرة نقاش جمع بين مختلف قوى نظام فرانكو وقوى المعارضة الديموقراطية، توج بالموافقة على النص الدستوري.
التجربة الإسبانية تثبت أنه ليس بالضرورة أن تقوم عملية الانتقال نحو الديموقراطية وفق قواعد اللعبة الصفرية، بمعنى الفائز يكسب كل شيء والخاسر يخرج خاوي الوفاض، بل وفق نموذج يحافظ على بنيات الدولة وضمان حق الجميع في التعبير عن الرأي وامتلاك الحظوظ نفسها للوصول إلى السلطة، ويبدو أن كثيراً من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحاجة إلى هذا الدرس...