.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
كان هناك زمن في تونس يثير فيه الاحتفال برأس السنة وأيّ مناسبات أخرى غير إسلامية جدلاً شديداً. لكن معظم الأصوات التي كانت تنبّه إلى "خطر الغزو" الثقافي أو الديني الداهم نتيجة هذا الاحتفال خفتت تدريجاً، وخطا التونسي خطوات هامة نحو التصالح مع ذاته واكتساب الثقة في رسوخ هويته العربية الإسلامية كما تجسّمها العادات والتقاليد التي ترافقه من ولادته إلى آخر يوم في حياته .
من هذا المنطلق أصبح الاحتفال برأس السنة جزءاً من الثقافة الشعبية. وطبع التونسي مع هذه المناسبة على الصعيدين الشعبي والرسمي.
في أواخر ثمانينات القرن الماضي تخلّت السلطات التونسية أيام حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي عن عبارة "السنة الميلادية" في قاموسها الرسمي وعوّضتها بعبارة "السنة الإدارية".
قد يبدو هذا القرار اليوم مثالاً للحساسية المفرطة وغير المبرّرة تجاه التأثيرات الخارجية، ولكنّه كان في الواقع انعكاساً لوضع سياسي مختلف. كانت هناك آنذاك رغبة من السلطة في اجتناب التوظيف السياسي للدين ووقف التصعيد مع الإسلاميين وذلك باتخاذها لجملة من الإجراءات، شملت إعطاء تسمية جديدة لرأس السنة وكذلك برفع الآذان عبر وسائل الإعلام والاستئناس بالهلال للتأكّد من دخول شهر رمضان.
تغيرت الظروف وعادت السلطة في كانون الأول (ديسمبر) 2021 إلى اعتماد تسمية "رأس السنة الميلادية"، وذلك بمقتضى أمر رئاسيّ "يضبط أيام الأعياد الدينية والرسمية" أصدره الرئيس قيس سعيد وأنهى به رسمياً استعمال تسمية "السنة الإدارية ".
رغم ذلك لم تتوضّح الرؤية تماماً في الأذهان إذ بقيت بعض المؤسسات ووسائل الإعلام تراوح بين الاستعمالين، ولكن لا أحد بقي يكترث اليوم إن كانت الجذور التاريخية لاختيار بداية السنة تعود إلى الروزنامة المسيحية أو الرومانية، بل أضحى هناك إحساس بأنّ السنة سواء أوصفت بـ"الميلادية" أم بـ"الإدارية" أو أشير إليها فقط بـ"السنة الجديدة"، محطة يحتفل فيها التونسيون مثل بقية شعوب العالم .
وإن كان البعض يتنقد الطابع التجاري والاستهلاكي الذي يكتسيه الاحتفال، فإنّ رأس السنة يشكّل مصدر دخل استثنائي لقطاعات اقتصادية عدّة خاصة تلك التي تميل أنشطتها إلى الركود خلال فصل الشتاء.
ورأس السنة بكلّ تأكيد مناسبة لتنشيط الحركة التجارية والسياحة التي يزداد زخمها بإقبال الزوار الأجانب على السياحة الصحراوية وتوافد السياح الجزائريين بالآلاف لتمضية عطلة نهاية السنة في تونس، وبتنظيم السهرات والاحتفاليات من قبل الفنادق والمطاعم. وتضفي المناسبة حركية تجارية على الأسواق نتيجة إقبال الأسر على شراء المرطبات وسائر المواد الغذائية للاحتفال برأس العام في أجواء عائلية تشبه أجواء الأعياد.
ولكنّه ورغم التطبيع مع رأس السنة، فإنّ الاحتفال بعيد ميلاد المسيح يظل مسألة أكثر تعقيداً في بلاد تعد فقط أقلية ضئيلة من المسيحيين. وإن كانت الأغلبية تنأى بنفسها عن الاحتفال بعيد الميلاد نظراً لجذوره المسيحية، فإن هذه المناسبة ليست غائبة تماماً عن المجتمع وبعض مظاهر الاحتفال لا تثير ردود فعل حادة إذ هي لا تكتسي طابعاً دينياً (خارج طقوس الأقلية المسيحية) بل لها طابع تجاري وتسويقي، تعتمدها العديد من المطاعم والفنادق كجزء من ديكورها الموسمي وإعلاناتها الترويجية وتستعملها بعض الجمعيات الأهلية والمهنية لإقامة أسواق ومعارض تبيع خلالها منتجات للصناعات التقليدية والمهن الحرفية.
ولكنّ اللافت خلال الأعوام الأخيرة، بالإضافة إلى هذه المظاهر، هو أنّ بعض الأسر وخاصة الميسورة منها، أضحت تحتفل بعيد الميلاد كمناسبة غير دينية بغرض تسلية أبنائها، خاصة من يرتاد منهم المدارس الخاصّة أو الأجنبية.
وبشكل مواز للاحتفال بعيد الميلاد برزت أيضاً عند بعض فئات المجتمع ظاهرة الاحتفال بعيد "هالوين" ( أو عيد الهلع) ليلة 31 تشرين الأول (أكتوبر) من كل سنة، إذ يشاهد الأطفال في بعض الأحياء وهم يرتدون الأزياء والأقنعة المخيفة ويطرقون الأبواب طلباً للحلوى.
من الواضح أنّ احتفال الأطفال واليافعين بعيد الميلاد وعيد "الهالوين" يعكس التأثير المتعاظم على هذه الفئة العمرية للتونسيين للمحتويات المتدفّقة عبر الفضائيات والإنترنت. كما يظهر الدور المتزايد للمدارس الأجنبية والخاصّة في الترويج لعادات جديدة في المجتمع.
بشكل عام تبدو أغلبية التونسيين وكأنّما استوعبت الاحتفال برأس السنة الميلادية ولكنّها لم تستوعب بعد الاحتفال بالمناسبات الوافدة الأخرى، رغم أنّها تبدي قدرة على التعايش معها إذ تراها هامشية ولا تهدّد هويتها الأساسية، وبقيت التحفّظات عليها محصورة في بعض مناكفات "فايسبوك".
قد يكون هذا الموقف المرن امتداداً لثقافة التسامح التي كرّسها منذ عقود شيوخ الزيتونة في تونس عندما امتنعوا عن إصدار فتاوى بتحريم الاحتفال بالأعياد غير الإسلامية، على خلفية إرث حضاري متعدّد يعود بعضه إلى أصول بربرية ومسيحية وغيرها. لكن هذا لا يعني أنّ المجتمع التونسي في مأمن من انتعاشة رواسب التيارات السلفية التي حاولت وفشلت بعد 2011 في تسريب بل وفرض منظومة قيمها على المجتمع.
وهناك أيضاً رياح التشدّد التي قد تهبّ من الخارج، إذ يتابع التونسيون ما يحدث في جوارهم المباشر حيث حظّرت سلطات شرق ليبيا خلال الفترة الأخيرة الاحتفال بعيد الميلاد واستيراد أيّ سلع لها علاقة به. كما أعلنت سلطات غرب ليبيا قبل ذلك بأسابيع عن تفعيل جهاز "شرطة الآداب" بغرض "مراقبة مدى احترام الرجال والنساء لقيم المجتمع الليبي".
ومهما كانت الاعتبارات ودواعي الجدل، تبقى احتفالات آخر السنة في المجتمع التونسي مهرباً من كآبة الشتاء ورتابته وفرصة يسرق من خلالها المواطن العادي لحظات من الفرح والبهجة حتى وإن كانت مستمدّة من تقاليد وافدة.