تركيا وإيران... صراع بين نموذجين إسلامويين!

كتاب النهار 29-12-2024 | 21:12
تركيا وإيران... صراع بين نموذجين إسلامويين!
هذان النموذجان من الإسلام السياسي هما في النهاية شكلان من الأهداف القومية والزعامة المتنافسة، تتفاوت فيهما أسماء الحلفاء والأعداء...
تركيا وإيران... صراع بين نموذجين إسلامويين!
تنافسٌ تفجّر بسقوط الأسد
Smaller Bigger

ثمة تنافس دائر بين القوى الإقليمية على سد الفراغ الذي وقع في سوريا بعد رحيل نظام بشار الأسد، وذلك بمحاولة توجيه السلطة السياسية الجديدة، المتمثلة في تنظيم "هيئة تحرير الشام" وقائدها الجولاني، ناحية الوجهة التي تخدم مصالح تلك القوى. وثمة مَن يتريث حتى يتحقق من الوجهة التي ستتخذها تلك السلطة، إن كانت قد خرجت من العولمة الجهادية إلى نسخة محلية، لكنها لم تنتقل بعد إلى مفهوم الدولة، فيما يشبه حالة تنظيم "طالبان-أفغانستان" بشكل كبير.

وقد أحيَت طبيعة السلطة الجديدة ذاكرةَ الأيام الأولى من ثورات الربيع العربي التي تنافست عليها الاستخبارات الإقليمية والدولية، إذ ظهر آنذاك تنافسٌ واضح بين تركيا وإيران، ليس على مستوى حماية الأمن القومي لكلا البلدين فحسب، بل على مستوى التمدد والانتشار على خطى نموذج الإسلام الذي يقدمان أيضاً، وهو ما أحيا الحديث عن التنافس الجغرافي التاريخي بين العثمانيين والصفويين، ليس باسم السنة والشيعة هذه المرة، ولكن باسم الإسلام النقي المحمدي في مواجهة الإسلام الأميركي كما أطلق عليه الإيرانيون!



شبح الماضي

لا يزال شبح الماضي يخيم على أذهان النظام السياسي في كل من أنقرة وطهران، فتركيا الحالية التي عانت قديماً من الحكم الكمالي العلماني الأصولي الذي طارد الإسلاميين، قد طرحت مفهوم العثمانية-الجديدة في الخارج من أجل دعم الإسلاميين في الداخل قبل أي شيء، لأن هذا الطرح يعمل على دمج الإسلام مع القومية التركية ويعزز من القاعدة الشعبية لصالح السلطة.

وقد نجح الأمر وأصبحت تجربة الإسلاميين الأتراك مُلهمةً لتيارات الإسلام السياسي في العالم، مع ثورات الربيع العربي التي جاءت بعد سنوات من تَغنّي تلك التيارات بنضال نجم الدين أربكان الذي أسس حركة "مللي جوروش" لتأسيس رؤية وطنية بقيَم دينية، إذ تمددت العثمانية الجديدة من دول شمالية مثل كوسوفو وألبانيا والبوسنة والهرسك إلى دول جنوبية كانت تمثل جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، مثل دول شمال البحر المتوسط.

لكن الصراع بين العلمانية والإسلاموية والتاريخ الطويل من الانقلابات في تركيا، أفرخَ في النهاية نموذجاً سياسياً يجمع بين الإسلام والقومية التركية والعلمانية في ثوب ليبرالي وبراغماتي. وهو ما يدفع أنقرة اليوم لاستنساخ نموذجٍ مشابه في دمشق يُبدد مخاوفها الماضية والآنية!

وفي إيران أيضاً التي عانى إسلاميوها من الحكم العلماني الأصولي للشاه، كانت تجربة نظامهم ولاية الفقيه الذي أعاد تفسير عقيدة الانتظار من أجل جذب أنظار العالم الخارجي تجاه إيران الإسلامية (أم القرى)، هدفها أيضاً المُضي على خطى الإسلام في الخارج من أجل تعزيز قاعدتهم الشعبية في الداخل.

ولذلك طرح الإيرانيون إسلامهم نموذجاً مقاوماً في مواجهة إسلام الأتراك الذين اعتبروه من إرث الحقبة البائدة التي تحالفت مع أميركا وإسرائيل، خاصة أن شاه إيران استلهم تجربة العلمانية والتغريب من أتاتورك وكذلك الانفتاح على الغرب والاعتراف بإسرائيل.

وهذان النموذجان من الإسلام السياسي هما في النهاية شكلان من الأهداف القومية والزعامة المتنافسة، تتفاوت فيهما أسماء الحلفاء والأعداء، فإن كان المرشد الإيراني قد انتظر من السلطة الجديدة في دمشق إعلان العداء تجاه إسرائيل، فإن تركيا لا يشغلها ذلك الآن، وهو ما دفع خامنئي للتعبير عن خيبته بقوله: "أتوقع ظهور فئة قوية وشريفة في سوريا". ويمكن اعتبار رد مستشاره، على ولايتي، في صحيفة "كيهان"، على النصائح التركية لبلاده بعدم التصعيد مع إسرائيل، بقوله: "وصيتي للأتراك بدلاً من أن يقدموا النصائح، أن يعودوا هم عن الطريق الذي سلكوه"، مؤشراً واضحاً على ذلك التنافس بين نموذجين من الإسلام السياسي الذي تفجر بسقوط الأسد!