.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
اختارت المقعد الطويل قبالتنا على القطار، لتفصل بيننا وبينها الطاولة المعدنية. لاحظنا فوراً ملامحها المشرقية القريبة من ملامحنا، وربما ذلك ما شجعها على "كسر الجليد" ومحادثتنا، على الأقل لتزجية الوقت، إذ كانت الرحلة ستزيد على الـ3 ساعات من فيينا إلى سالزبورغ.
اكتشفنا أنها طالبة إيرانية، ونظراً إلى تنشئتي الصحفية، فقد رحت "أهريها" بالأسئلة؛ عما تدرس، ولماذا أتت إلى النمسا تحديداً، وكيف وجدت التجربة، وهل تنوي الاستقرار فيها؟ وشيئاً فشيئاً، زحفنا نحو السياسة، لأننا كنا في أواخر تموز (يوليو) المنصرم، ومسعود بزشكيان، الرئيس الإيراني، كان قد تولى المنصب للتوّ.
"ما رأيك فيه؟"، سألتها عن الرجل الإصلاحي الذي تفوّق على 5 مرشحين أصوليين في الانتخابات، فابتسمت بتعب بالغ، وردت بعربيتها البسيطة التي التقطتها من صديقات الغربة المصريات، "ما فيش فايدة".
طفقت تؤكد ما نعرفه جميعاً، بأن النظام الثيوقراطي مصمم لجعل الرئيس، أي رئيس، دمية أخرى يحرّكها المرشد الأعلى والحرس الثوري، إن لم يكن كذلك بالفعل. ومن السذاجة الاعتقاد -أضافت بأسى- أنهم سيسمحون بوصول مرشح غير منقاد لهم.
ترجّلت في محطتها، وتركت على المقعد شعورها باللاجدوى والإحباط. فعلاً، "ما فيش فايدة"، وإلا لأطاحت بنظام الملالي فضيحة استشهاد مهسا أميني تحت التعذيب. "ما فيش فايدة"، ويستحيل تزعزع هذا الشيطان الجاثم على الصدور 45 عاماَ، خصوصاً بعدما هيمن على 5 عواصم عربية. بل شعرت بأن الغباء كل الغباء هو في أن نيأس، ونذعن لهذا السرطان المتفشي في جسد الأمة.
ولقد نسيت أمر الفتاة الإيرانية، ونسيت فقدانها للأمل، حتى قبل أيام معدودة حينما سألني مواطن إيراني آخر، وعلى هامش اجتماع للعمل، إن سبق لي زيارة بلده. اكتفيت بالإجابة بالنفي، إلا أنه قام بنفسه بملء الفراغات في ردي، مستشفاً بأن الأمر يتعلق غالباً بمخاوفي من التعرض للمضايقات وسوء المعاملة في إيران، بدءاً من ضباط الأمن في المطار وانتهاء برجال المرور، بسبب جنسيتي الإماراتية. وأليس ثمة سوابق أصلاً بالممارسات العنصرية ضد السياح السعوديين في مشهد؟
ولمّا لم أعلق ملتزمة التهذيب والديبلوماسية، وجدته يبتسم فجأة، ولكنها كانت ابتسامة مغايرة كلياً لابتسامة مواطنته، ويبادر قائلاً: "التغييرات تعصف بالمنطقة بسرعة بالغة، ولعله دور إيران. من يدري؟"
دخلنا 2024 متوقعين عاماً روتينياً آخر في عصور الظلام الطائفية التي أهدرت دماء شبابنا العربي، وبددت طاقاتهم، وعبثت بعقولهم، وأورثتهم الهزائم والفشل والرجعية. ولكن من الإعجازي حقاً كيف أن بضعة أشهر من التقلبات الدراماتيكية غيّرت حتى لغة ونبرة الإيرانيين البسطاء حيال نظامهم، وجعلت أعينهم التي تدمع بانكسار عند ذكره تلتمع برجاء، فسبحان من حوّل الـ"ما فيش فايدة" إلى "من يدري؟"!
هل ستكون 2025 سنة سقوط الصنم الأكبر؟ وهل سيفتح الله باباً كنا نحسبه لشدة اليأس لم يُخلق بمفتاح، كما قال الشاعر زين عبدالله؟
كل عام ونحن نأمل.