الرباط ونواكشوط... أفق جديد بتحديات وفرص مشتركة

كتاب النهار 27-12-2024 | 02:53
الرباط ونواكشوط... أفق جديد بتحديات وفرص مشتركة

تم الحديث عن دور موريتاني للوساطة بين المغرب والجزائر بطلب من الأخيرة، على خلفية التحولات الجيوستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وما تحمله من تداعيات محتملة على المنطقة المغاربية...

الرباط ونواكشوط... أفق جديد بتحديات وفرص مشتركة
هل من وساطة موريتانية بطلب من الجزائر؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

قبل أسبوع استقبل العاهل المغربي الملك محمد السادس، في القصر الملكي بالدار البيضاء،  الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي حسب تقارير إعلامية كان يقوم بزيارة خاصة للمغرب لأسباب عائلية. اعتبر بلاغ للديوان الملكي أن قائدي البلدين أكدا خلال اللقاء، حرصهما على تطوير مشاريع استراتيجية للربط بين البلدين الجارين، وكذا تنسيق مساهمتهما في إطار المبادرات الملكية بإفريقيا، خاصة أنبوب الغاز الإفريقي- الأطلسي، ومبادرة تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي.

البعض اعتبر زيارة ولد الغزواني الخاصة إلى المغرب عادية في إطار متابعة الوضع الصحي لحرمه التي تخضع للعلاج في المغرب، لكن كثيراً من التقارير الإعلامية ربطت زيارة الغزواني بزيارة الرئيس الجزائري لنواكشوط قبلها بأسبوع، حيث تم الحديث عن دور موريتاني للوساطة بين المغرب والجزائر بطلب من الأخيرة، وذلك على خلفية التحولات الجيوستراتيجية التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط وبما تحمله من تداعيات محتملة على المنطقة المغاربية، خاصة بعد انهيار نظام بشار الأسد المقرب جداً من الجزائر. لكن بغض النظر عن صحة هذه التقارير، فإن العلاقات المغربية الموريتانية، تكتسي أهمية قصوى بالنسبة للبلدين؛ فموريتانيا بلد أساسي في المنطقة، ولها صوت مهم في قضية الصحراء المغربية، ليس بمنطق الجوار والجغرافية وحسب، ولكن بصفة أساسية بفعل ثقل التاريخ والثقافة. يكفي أن نواكشوط كانت طرفاً في إتفاقيتين كان لهما وقع كبير على نزاع الصحراء، الأولى هي اتفاقية مدريد الثلاثية والتي جمعت المغرب وإسبانيا وموريتانيا والاتفاقية الثانية والتي وقعت تحت ضغط جزائري قوي في ظروف سياسية وأمنية دقيقة كانت تمر بها موريتانيا، وهي اتفاقية الجزائر في آب (أغسطس) 1979 حيث تخلت موريتانيا عن وادي الذهب لفائدة جبهة البوليساريو.

بعض النخب الموريتانية كانت دائماً تتوجس من وجود المغرب في شمالها، وكانت تسعى باستمرار لوجود كيان عازل... وقد نفخ البعض في ذلك التوجس وجعل منه قاعدة ثابتة في تدبير العلاقات الثنائية بين البلدين، بينما سعى المغرب دائماً إلى تبديد كل التخوفات، عبر السعي إلى بناء شراكة استراتيجية حقيقة ومثالية مع موريتانيا. 

في سنة 2010 أعلنت وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة المغربية، أن موريتانيا احتلت المركز الثالث من بين زبائن المملكة في القارة الإفريقية، بعد جيبوتي والسنغال، وأن حجم المبادلات التجارية بين المغرب وموريتانيا بلغ 215 مليون دولار أميركي (1,9 مليار درهم) في الفترة بين 2009 إلى 2019.

ويربط معبر "الكركرات" بين البلدين بوصفه المعبر البري الوحيد، الذي يتجاوز كونه شريان المبادلات التجارية بين البلدين، إلى اعتباره معبراً لجزء من التجارة الأوروبية الإفريقية، كما أن مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، ستنطلق أولى مقاطعه في المحور الذي يربط المغرب والسنغال عبر موريتانيا.

الجوار الجغرافي مثله مثل علاقات الدم، فهو يتجاوز إرادة الأطراف المعنية، ويفرض نفسه على الجميع في النهاية؛ فإذا كان الصراع مع الجزائر واضحاً ومفهوماً، وموقف المغرب فيه متقدماً ومنطقياً ومتماسكاً، وبالتالي لا أسئلة إضافية يمكن طرحها ما دام الجيل الذي يحكم الجزائر هو الجيل ذاته الذي وضع اللبنات الأساسية للصراع المفتعل، بل تحول الأمر إلى عقيدة لدى طيف واسع من السياسين والعسكريين هناك، فإن العلاقة مع موريتانيا، وإن كان انتظامها وعمقها في السنوات السابقة يطرح أكثر من علامة استفهام، فإن الحاضر يكشف وجود تطابق في وجهات نظر البلدين بخصوص عدد من القضايا القارية الإقليمية، فما يجمع المغرب بموريتانيا يتجاوز منطق السياسة الضيق، إلى ثقل التاريخ المشترك والعلاقات الاجتماعية والأصول المشتركة، إضافة إلى المشترك الديني والمذهبي والثقافي. 

 في آب (أغسطس) 2022  وبمناسبة الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب، أكد الملك محمد السادس أن ملف الصحراء المغربية هو "النظارة التي ينظر منها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس صدق الصداقات ونجاعة الشراكات"، هذه الرؤية الملكية حكمت علاقات المغرب مع أكثر من بلد، وبكل ما عرفته تلك العلاقات من أزمات بلغت حد القطيعة، نذكر هنا الأزمة مع كل من ألمانيا وإسبانيا وفرنسا. معنى ذلك أن المغرب لا يضع استثناء للقاعدة، وعلى هذا الأساس فإن القطار الجديد للعلاقات المغربية الموريتانية، لا بد أن يتوقف عند القضية الأولى للمغاربة وهي قضية الصحراء. 

موريتانيا حافظت لسنوات على موقف حياد إيجابي، لكنه أصبح اليوم متجاوزاً، سواء بواقع حجم حضور كل طرف على الأرض، أو بمنطق التحول في الموقف الدولي الذي يؤيد بشكل متزايد مبادرة الرباط للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. ونستحضر هنا خاصة مواقف كل من واشنطن، مدريد، برلين وباريس، وأي تحول في الموقف الموريتاني فإنه سوف لن يكون أقل أهمية من المواقف المذكورة. إحداث تحول في الموقف الموريتاني يبقى مسألة وقت فقط، ذلك أن إلغاء المغرب للمنطقة العازلة التي توجد شرق الجدار الأمني للقوات المسلحة الملكية، وتعد واحداً من مشمولات اتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991، وهي منطقة تشغل نحو 20 بالمئة من المساحة الإجمالية للصحراء وتوجد في مجملها بين المغرب وموريتانيا، سيفرض واقعاً أمنياً وعسكرياً جديداً بالمنطق، خاصة بعد تفكك مجموعة دول الساحل الخمس وتكتل كل من مالي وبوركينافاسو والنيجر  في إطار جديد.

فهل تكسب الرباط- نواكشوط التحديات والفرص المشتركة رغم تعقيدات الوضع الإقليمي؟