القاهرة والحجّ إلى "دولة الجولاني"

كتاب النهار 27-12-2024 | 03:34
القاهرة والحجّ إلى "دولة الجولاني"
استقرار دمشق يمثل أهمية استراتيجية للقاهرة وأمنها القومي، نظراً لمحورية الدولة السورية في المنطقة...
القاهرة والحجّ إلى "دولة الجولاني"
الموقف المصري لا يتعارض مع ما يقرره الشعب السوري (أ ف ب)
Smaller Bigger

في إطار الزيارات الديبلوماسية التي أجرتها بعض الدول العربية والأوروبية، لم تتضح الرؤية المصرية الرسمية حول الموقف من "دولة الجولاني"، في ظلّ المتغيرات السياسية التي تتمّ على الأراضي السورية، عقب سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، ما بين المشاركة السياسية الفاعلة، أو المقاطعة المباشرة، أو التطبيع الحذر من قبل النظام المصري.

رغم تشابه قواسم عملية السقوط السياسي والانسحاب العسكري والأمني، ثم الاستيلاء على مقاليد الحكم، بين دمشق وكابول، فإن الحجّ إلى "دولة الجولاني"، وسرعة تطبيع العلاقات عبر الموفدين، تحيطه علامات الاستفهام، في ظلّ وضع "الشرع" وهيئته الأصولية المسلّحة على قوائم "الإرهاب" الدولي على مدار السنوات الماضية، ويناهض الموقف الذي اتُّخذ مع أبناء "الملا عمر"، الذين يرتبطون كما يرتبط "الجولاني"، بعلاقات فكرية وحركية وثيقة مع رموز تنظيم "القاعدة"، أمثال أبو مصعب الزرقاوي وأيمن الظواهري وأسامة بن لادن.

تبييض سمعة "أبو محمد الجولاني"، عبر وسائل الإعلام الدولية والإقليمية، لتقديمه كرجل سياسة في العقل الجمعي العربي، وتهيئة قبوله كرئيس للدولة السورية، في إطار مجموعة من المصالح المتقاطعة ما بين وقف التمدّد الإيراني، والتمهيد لفكرة قبول الإسلام السياسي على رأس الدولة، والهيمنة على صناعة القرار السياسي والعسكري والثقافي السوري، مع إتاحة فرصة مدّ خط أنابيب نقل الغاز القطري عبر الأراضي السورية وصولاً إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، وتدشين المحور "ممر داوود"، الرابط بين الجولان ونهر الفرات، الذى يُعدّ منفذاً برياً تجارياً واقتصادياً للكيان الإسرائيلي.

لا تمانع القاهرة تغيير النظام السياسي السوري، في إطار العملية الديموقراطية السلمية، ولا تمانع تحجيم ووقف التمدّد الإيراني ليس في الداخل السوري وحسب، لكن في المنطقة العربية عامّة، لكنّها لن تتغاضى عن تمرير مشاريع توطين الجماعات الأصولية في سوريا وتحويلها إلى ساحة لتحقيق مصالح القوى الإقليمية المتصارعة، أو دخولها حيّز التقسيم الطائفي والمذهبي، أو تمديد التثوير المسلّح في بقية المحيط العربي.

الموقف المصري لم ولن يتعارض مع كلّ ما يقرّره الشعب السوري في تحقيق حريته وآماله، دون وصاية أو إملاءات، وعلى رأسها سقوط "نظام الأسد" الذي كان مطلباً شعبياً، في حين أنّ هيمنة المجموعات الأصولية المسلحة بزعامة "أبو محمد الجولاني" على السلطة الرسمية لا تمثّل مطلباً جماهيرياً، خاصة أنّ ما يتمّ واقعياً وعملياً من الإدارة الفاعلة في سوريا، يدفع إلى التشكّك والتخوّف، في ظلّ مخالفته لمضامين الخطاب الإعلامي، في ما يخصّ اتّخاذ قرارات مصيرية وفردية متعلقة بترتيب وهيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخبارية والدستورية والقضائية، دون مشاركة حقيقية من القوى السياسية لوضع المحدّدات والأطر الحاكمة لهذه المؤسسات وتوجّهاتها في مرحلة ما بعد سقوط "نظام الأسد".

استقرار دمشق يمثل أهمية استراتيجية للقاهرة وأمنها القومي، نظراً لمحورية الدولة السورية في المنطقة، ومن ثمّ التغييرات الجذرية تُلقي بظلالها على التوازنات السياسية في المحيط العربي والإقليمي، وبالتالي ربما تمثّل مقولة "إذا سقطت دمشق فعلى القاهرة أن تستعدّ للمعركة"، تعبيراً عن طبيعة المرحلة المقبلة في رسم سياسات العلاقات المصرية السورية المغلّفة بالحذر، في ظلّ سيطرة الجماعات الأصولية المسلّحة على مقاليد الحكم، خاصّة بعد محاولات جماعة "الإخوان" وعناصرها خلال الأيام الراهنة، الترويج لفكرة "الثورة المسلحة" في مصر على غرار ما تمّ في الواقع السوري، في إطار محاولات الثأر والانتقام من الشعب المصري وحكومته.

تطبيع العلاقات الديبلوماسية والسياسية والأمنية بين القاهرة و"دولة الجولاني" الجديدة يمثل اعترافاً ضمنياً منها بشرعية وصول الجماعات الأصولية وتيارات الإسلام السياسي على قمّة المشهد الرئاسي في المنطقة العربية، وفق سيناريو القوة المسلحة، لا سيّما أن شرعية نظام دولة (30 يونيو)، أو نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، قائمة على مواجهة مشاريع تقسيم المنطقة العربية، التي تمّ التمهيد لها منذ عام 2005، ثمّ استكمالها خلال أحداث الربيع العربي عام 2011، فضلاً عن مواجهة سيناريوهات تمركز الجماعات الأصولية المتطرّفة في العمق السيناوي والقاهري، وكذلك منع سيطرة "جماعة الإخوان المسلمين" على السلطة وهيمنتهم على مؤسسات الدولة المصرية.

ربما لن تنسى القاهرة بسهولة الرسائل التحريضية التي حملها الخطاب الإعلامي لأبو محمد الجولاني في مقابلته مع قناة الجزيرة عام 2015، داعياً قيادات "جماعة الإخوان المسلمين"، إلى ضرورة التركيز على القوّة والعمل المسلح في التعاطي مع الملف المصري، فضلاً عن الظهور الأخير للأصولي المتطرّف، محمود فتحي، برفقة الجولاني، في إطار من الرسائل الضمنية والاستفزاز للدولة المصرية على المستوى الشعبي والرسمي، خاصة أنّ فتحي كان أحد المشاركين في تأسيس حركة "حازمون"، وعدد من حركات "العنف المسلّح" التي ظهرت عقب سقوط حكم "الإخوان"، وتمّ اتهامه في قضية اغتيال النائب العام الراحل المستشار هشام بركات، وحصوله على حكم بالإعدام غيابياً، إلى جانب ارتباطه بعلاقات وثيقة مع عمر رفاعي سرور، مفتي تنظيم "القاعدة" في ليبيا، وتنظيم "المرابطون" الذي أسسه هشام عشماوي، وترويجه لمشروع سياسي ديني، من داخل تركيا، تحت عنوان "تيار الأمة"، يهدف إلى إسقاط النظام المصري.

في النهاية ستبقى القاهرة محاصرة بين "التطبيع الناعم" أو البارد أو الحذر، خشية ترك الساحة فارغة للوكلاء الإقليميين، وبين "المقاطعة المباشرة" التي يتخلّلها تفكيك القضايا العاجلة عبر "ديبلوماسية الأبواب الخلفية" (الإطار الأمني والاستخباراتي دون الديبلوماسي)، التي غالباً ما استخدمتها أثناء التوتّرات السابقة مع كلّ من تركيا وقطر بسبب دعمهما لتيارات الإسلام السياسيّ، وعلى رأسها "جماعة الإخوان المسلمين".