.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
مرّ الأسبوع الماضي 14 عاماً على اندلاع شرارة الاحتجاجات الشعبية التي هزت أركان حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي بداية من 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010 إلى حين انهيار النظام بعد ذلك بأسابيع.
لم يكن الانتقال من فترة حكم بن علي إلى ما بعدها بدون مطبات، ولكنه مر بأخف الأضرار بالمقارنة مع ما مرت به بلدان عربية أخرى جرفتها موجة "الربيع العربي" نحو دوامة العنف والفوضى.
لا يزال هناك أحياناً في تونس من يقارن بين ما سبق 2011 وما تلاها. ويثير ذلك في بعض الأحيان جدلاً بلا فائدة، إذ نادراً ما يكون الهدف منه أن يتعلم التونسيون من تجارب الماضي من أجل بناء المستقبل.
الواقع أن بن علي لم ينتبه قبل سقوط نظامه إلى التطور السريع لمجتمعه ولتغير حاجيات التونسيين ومطالبهم. وبقاء أي رئيس في الحكم ثلاثة وعشرين عاماً، مثلما بقي هو، كفيل بأن يجعله يفقد الصلة بمشاغل الناس. وأهم من ذلك، أنّ من يعمّر في الكرسي طويلاً يتعود على بقاء الأوضاع على حالها ويحدوه الخوف من أي تغيير حقيقي. كان الإصلاح السياسي ضرورياً، وفي متناول بن علي، ولكن الرئيس التونسي الثاني بعد الاستقلال فضّل التأجيل حتى فات الأوان.
حقق نظامه نتائج اقتصادية لا جدال في أنها كانت إيجابية من عديد الجوانب، ولكنه لم ينتبه في الإبان إلى أن النموذج الاقتصادي الذي رسمه كان قد بلغ أقصى حدوده بعدما أضحى غير قادر على توفير مواطن الشغل الكافية وتأمين الحظوظ نفسها في التنمية والرفاه بين مختلف جهات البلاد.
كان من المفروض أن تتم تلك المراجعة بعد الإطاحة بحكمه في سنة 2011. ولكن تونس أضاعت عوضاً عن ذلك وقتاً ثميناً في التجاذبات الحزبية والسياسية وتصفية الحسابات واختبار النماذج الانتقالية غير الموفقة.
لم يكن من الحكمة بالخصوص محاولة فرض نظام حكم برلماني لم تتعود عليه البلاد ولم تمارسه منذ استقلالها (وإنما فضله الإسلاميون خلال فترة حكمهم)، قبل العودة خلال السنوات الأخيرة إلى النظام الرئاسي.
أضاعت البلاد وقتاً ثميناً كذلك في تداول الحكومات وتعاقب الوزراء دون أن تتبلور أبداً رؤية واضحة للبناء الاقتصادي والاجتماعي المنشود، فيما كانت المرافق والخدمات تتهاوى تدريجاً.
اختلف التونسيون على الكثير ولكنهم اتفقوا على أن السنوات التي تلت 2011 خيبت آمالهم في تحقيق نقلة نوعية نحو الأحسن كانوا يحلمون بها. اكتشفوا حقيقة لم تكتشفها النخب التي تعاقبت على السلطة بعد سقوط نظام بن علي، وهي أن ما يعنيهم من السياسة قبل كل شيء هو تحسن مستواهم المعيشي وليس الخطب والشعارات.
اكتشفوا خلال السنوات الأولى بعد 2011 أن انعدام التجربة والكفاءة في تسيير شؤون الدولة لما يتضافر مع الممارسة غير السديدة للديموقراطية والشطط في المطالبات النقابية والتعويل المبالغ فيه على الخارج، يمكن أن يؤدي ليس إلى عدم الاستقرار السياسي وحسب بل كذلك إلى تراجع سريع للمؤشرات الاقتصادية.
حاول البعض تبرير ضياع الوقت بالقول إن ما فات من أعوام ليس كثيراً نظراً لأن التحولات التاريخية التي تمر بها الشعوب تستغرق بالضرورة وقتاً طويلاً. ولكن مرور الوقت دون نتيجة ترف لا يمكن أن تتحمله بلاد مثل تونس تحتاج إلى تدارك تأخرها في مختلف المجالات. ومن المحبط اليوم أن يكون همّ تونس بعد كل هذه السنوات مجرد العودة إلى المربع الاقتصادي الأول أو حتى أقل منه بقليل.
لم تساعد الظروف الإقليمية والأمنية البلاد خلال الفترة من 2011 إلى سنة 2016، حيث تضررت السياحة بشكل كبير من الأحداث الإرهابية مع تصاعد أنشطة تنظيم "داعش". كما انعكس اضطراب الوضع في ليبيا على ظروف الكثيرين في تونس من حيث انحسار سوق الشغل في الدولة المجاورة واضطراب النشاط التجاري البيني.
لا تزال تونس تسعى جاهدة لتسريع وتيرة النمو الاقتصادي بما يسمح لها بتقليص رقعتي الفقر و البطالة، ولكنها لم تجد إلى حد الآن الوصفة المثلى لتحفيز نسق خلق الثروة من جهة وتحقيق التوازن بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي من جهة أخرى.
ولا يزال العامل الإقليمي يشكل شاغلاً لتونس خاصة باعتبار التداعيات التي قد تنجر عن سقوط نظام الأسد في سوريا، مثل إمكانية إطلاق سراح الجهاديين التونسيين من هناك وعودتهم إلى تونس أو إلى ليبيا المجاورة.
معظم الملاحظين يثقون في قدرة المنظومة الأمنية على احتواء هذه المخاطر بعد نجاحها في لجم هجمة الإرهاب الداعشي. ولما يلقي التونسيون نظرة سريعة على محيطهم فهم يشعرون اليوم بالارتياح، رغم كل مصاعب بلادهم الداخلية، لبقاء بلادهم بعيدة عن الزوابع الإقليمية. وهم يعرفون أنه بإمكانهم التعويل على جملة من الثوابت تستطيع تونس أن تبني عليها مشوارها المقبل وترتكز عليها في مسيرتها.
من هذه الثوابت الميزة الاستراتيجية للموقع الجغرافي لبلادهم في قلب المتوسط وهي ميزة تبقى عاملاً جاذباً للاستثمار والشراكة ودافعاً مركزياً للغرب الأوروبي بتونس كي لا يشيح بوجهه عن تونس ويشعر بأنه معني باستقرارها وأمنها. ولكن هذه الميزة الجيوستراتيجية تعد أيضاً سيفاً ذا حدين إذ هي قد تتحول إلى مصدر للضغوط ومحاولات التدخل والتأثير من بلدان شمال المتوسط.
وتبقى أهم ثوابت تونس بكل تأكيد هي الطاقات البشرية الشابة والمتعلمة التي كانت ولا تزال تشكل ثروة البلاد الرئيسية... ولكن هذه الطاقات لا تزال تبحث عمن يقنعها بأن أزمات بلادها ليست قدراً محتوماً وأن الهجرة إلى الخارج ليست طريقها الوحيد إلى تحقيق آمالها.